في الأردن كثيرا ما نشهد تقلبات سريعة في السياسات والقرارات وهذه الحالة تكرست نتيجة قصر عمر الحكومات التي يصل عمرها بالمتوسط إلى عام واحد، إذ تنقلب كل حكومة على سابقتها والمبرر عادة التشكيك بجدوى تلك القرارات وسلبيات تطبيقها.
وتتعمق هذه الحالة نتيجة غياب المؤسسية وضعف سيادة القانون، فنجد مع كل حكومة نهجا وسياسات جديدة تنقض كل ما أنجز بعيدا عن التفكير في البناء على ما أتمه السابقون إن وجد.
هذا الواقع أضعف فكرة البناء التراكمي على المنجزات، والنتائج واضحة وجلية، فمؤشرات اقتصادية مثل الفقر والبطالة بقيت على حالها بل وساءت، ومشاكل اجتماعية تتفاقم، وعنف يتفشى، وفساد يتزايد الحديث عنه، وسط غياب العدالة وعدم تساوي الفرص، وسيطرة حالة الإحباط على شرائح واسعة من المجتمع.
إذن، ما تقره الحكومات السابقة ليس مقدسا، وهذه العبارة تنطبق بالتحديد على موازنة العام 2010 التي تدعي الحكومة الحالية أن جميع فرضياتها تقوم على إقرار الضرائب، والتخلص من الدعم، وإلغاء الإعفاءات، وتقدم نفسها كضحية غير قادرة على تغيير قرارات الحكومة السابقة، وكأن تغيير ما وضعته الحكومة السابقة سيسجل كسابقة تمثل انقلابا على المؤسسية الراسخة منذ عقود.
وليس صحيحا أنْ ليس بالإمكان أكثر مما كان، تسليما بما أقرته الحكومة السابقة، خصوصا إذا كانت تلك القرارات تضر بمصالح الفقراء ومتوسطي الحال، وتهدد بتخفيض مستواهم المعيشي واستنزاف مداخيلهم.
وضمن النهج المتبع، ليس هناك ما يمنع الحكومة الحالية من مراجعة موازنة 2010 لتخفيف مخاوف الناس الاقتصادية، والتخفيف من قلقهم حيال مصدر رزقهم.
وعلى افتراض أن كل ما أعلن من فرضيات بنيت عليها موازنة العام الحالي صحيح 100% وليس فيه مبالغة، فإن على الحكومة الحالية إعادة النظر فيها بشقيها لناحية النفقات أولا، والإيرادات ثانيا، وقبل هذا وذاك على الحكومة أن تعمل بروح فريق يدرك حجم المأزق الاقتصادي ويقدر المشكلة ويضع حلولا تصب في مصلحة الناس ولا تضيق الخناق عليهم.
من ناحية النفقات، على جميع الوزارات إعادة ترتيب أولوياتها وتأجيل مشاريع كثيرة مدرجة في الموازنة لا يشكل تأجيلها تهديدا للمنجزات التي تمت في الماضي، فعدد المشاريع التي تقدمت بها الوزارات في خططها بلغ 2500 مشروع ستسعى الحكومة لتنفيذ 250 منها.
وبحسب المعطيات الحالية فإن تنفيذ 200 مشروع فقط، أمر ممكن حتى وإن أزعج الناس، إلا انه لن يقلقهم أكثر من فرض الضرائب وجني الإيرادات من جيوبهم التي توفر للخزينة ما يزيد على 4 بلايين دينار سنويا.
وتقليص النفقات التفاخرية، يصب في ذات الهدف، إذ ليس من الأولويات أن يجدد الوزراء والمسؤولون سياراتهم لهذا العام، وليس ضروريا توسيع تشكيلة الوفود في المؤتمرات الخارجية.
والحلول الحقيقية تتعلق بضبط نفقات المؤسسات المستقلة وإلغاء الفائض منها، وضبط عمل وعدد المستشارين خصوصا الذين لا عمل لهم.
الخروج من المأزق الحالي ليس مسؤولية وزير المالية وحده، بل يتحمله أعضاء الحكومة مجتمعين كل في قطاعه، وعلى الفريق الحكومي أن يؤمن أن المرحلة الحالية استثنائية وصعبة والخروج منها يتطلب تفكيرا استثنائيا وجماعيا وتفهما للتحديات التي تحيق بالاقتصاد.
ي
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة