ها هي الحكومة تتعهد أمام مسؤولي البنك الدولي بخفض عجز الموازنة العامة وقيمة الدين العام، بعد أن بلغت قيمتهما مستويات مقلقة.
تصريحات الحكومة تدعو للتساؤل عن الأدوات والإمكانات المتوفرة في جعبتها لتحقيق هذه الغاية.
المعطيات أن من الصعب تحقيق خفض حقيقي في قيمة المديونية التي يتوقع أن تزيد حتى نهاية العام لتصل 12 بليون دينار أو تخفيض العجز، إلا إذا أدت الحكومة لعبة الأرقام المبهمة بجدارة.
التصريحات الرسمية تعيدنا إلى فكرة تقديس المسؤولين للأرقام بشكل فاضح، لدرجة تجعلهم معنيين بالظهور كمنتصرين على المؤشرات، بالقول إن الدين انخفض مقارنة بالناتج المحلي، في حين تشي الأرقام المطلقة بعكس ذلك تماما.
ومن دلالات صعوبة تحقيق أي منجز في تخفيض حجم الدين، أن وزارة المالية نسبت لمجلس الوزراء مطالبة بعدم الالتزام بقانون الدين العام الذي يحدد سقف الدين بمعدل 60 % من الناتج المحلي الإجمالي، ما يؤكد أن الاتجاه الذي يتخذه هذا المؤشر صعودي، ليس بسبب تراجع الإيرادات فحسب، بل نتيجة زيادة الإنفاق.
وبلوغ المديونية هذا الحد، مقلق وخطير ولا يخفف من وطأته سوى ارتفاع حجم الاحتياطي من العملات الأجنبية الذي حقق مستويات قياسية بلغت 11 بليون دينار، إذ بات هذا المؤشر صمام أمان يحمي الاقتصاد من العودة إلى أحضان صندوق النقد الدولي، ويؤخر اللجوء إلى قرارات جراحية تأتي على كل المنجزات وتقضي على المدخرات.
الحديث عن الدين في هذه المرحلة مرتبط بالجزء الداخلي منه، والذي تسعى إليه الحكومة بكل ما أوتيت من قوة، كسبيل لحل ضائقتها المالية من دون أن تحسب تأثير ذلك على القطاع الخاص، من خلال الاقتراض مباشرة من البنوك أو إصدار سندات الخزينة التي امتصت خلال 2009 نحو 1,5 بليون دينار من أموال المصارف، ويتوقع أن تحصل على قيمة مقاربة خلال العام الحالي حيث بلغت قيمة الإصدارات خلال الأشهر الأولى من العام الحالي نحو 950 مليون دينار.
والتعامل ذاته يتم مع مؤشر عجز الموازنة الذي يتوقع أن يصل 1.1 بليون دينار، مقارنة بحجمه خلال العام 2009 حيث بلغ 1.5 بليون دينار، بمعدل يصل 10 % من الناتج المحلي الإجمالي.
لهذه الأسباب يظهر أن السياسة الحكومية تقوم بالتفاف واضح يجافي الحقيقة وذلك من خلال اعتماد مؤشرات للأرقام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي والابتعاد عن الخوض في نتائج هذه المؤشرات بالأرقام المطلقة.
فإهمال الأرقام المطلقة، يعطي الفرصة للحكومات للتهرب من مسؤولياتها تجاه تقدير العبء الحقيقي الذي تورثه للأجيال المقبلة، وسط إهمال المطالبات باعتماد الأرقام المطلقة لقياس النتائج، وليس نسبتها إلى أي مؤشر بحيث تخفي خلف ذلك مخاطر كبيرة لا يستشعر صانع القرار خطورتها بشكل حقيقي.
الحل يتم بوضع قانون يربط بين نمو الناتج المحلي الإجمالي وتخفيض هذه المؤشرات كنسبة، فمثلا يفرض تحقيق نمو اقتصادي بمعدل 4 % تخفيض المديونية بمقدار محدد وكذلك العجز.
تقديس الأرقام وإن كان مطلبا للمؤسسات الأممية، إلا انه مسكن للمشكلة وليس حلا، خصوصا وأنها تتفاقم والتخفيف منها يتطلب النظر لهذه المؤشرات كأرقام مطلقة بعيدا عن المقارنات التي تخفي الحقائق الخطيرة وترحل المشاكل لأجيال مقبلة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة