تجلس أمام الرجل، فتدرك توا انه ما يزال يحتفظ بعقلية متوقدة ورؤية واضحة لكيفية إدارة الملف الاقتصادي.
وعند محاورة الرجل السبعيني، فكأنك تنهل من معين خبرة لا ينضب، ناهيك عن قدرة بارعة على تحديد المشاكل المفصلية التي يعاني منها الاقتصاد.
الرجل لا يتوقف عند التشخيص او التوصيف، بل يتبعها بحلول ووصفة عملية للخروج من المأزق الذي يمر به الاقتصاد في هذه المرحلة الدقيقة.
فمحمد سعيد النابلسي، الذي شغل موقع محافظ البنك المركزي الأردني لمدة تقارب عقدين من الزمان، يدرك بعميق تجربته، وموسوعية معرفته الخلل الكبير الذي تعاني منه السياستان المالية والنقدية، ويقدم توصيفا دقيقا للحالة الاقتصادية السائدة بمخاطرها وحيثياتها كاملة من دون مواربة.
فالاقتصادي المخضرم وصاحب الخبرة الموغلة في المعرفة ليس بعيدا عما يجري اليوم، حيث يقول إن اكبر مشاكل الاقتصاد تنبع من هدر المال العام وإضاعته على مشاريع هنا وهناك من دون طائل، ما تسبب بخسارة مئات الملايين على مدى سنوات من دون أن يخضع المتسببون بالخسارة لأي نوع من العقاب.
والنابلسي الذي يتطرف بالحكم على من يضيع أموال الخزينة، ويساويهم تماما بمن سرق وفسد وأفسد، يرى أن معالجة الخلل في الموازنة العامة يتطلب اتخاذ إجراء بحق هؤلاء.
ويعلم يقينا أن ترشيد النفقات لا يأتي بالشعارات الرنانة والتصريحات الصحافية، بل يؤمن أن ترسيخها وتعميقها يتطلب تعليمها في المدارس منذ الطفولة لتؤمن الأجيال المقبلة وتقتنع أن للمال العام حرمة دائمة، لا يجوز انتهاكها. والحفاظ عليها واجب.
والحل الجذري لمشاكل الاقتصاد يخرج من المدرسة، من خلال خلق ثقافة ترشيد النفقات وليس وقف الإنفاق، ما يساعد في حل المشكلة المزمنة لعجز الموازنة العامة، وعجز ميزان المدفوعات والحساب الجاري.
والبدء بحل المشكلة أفضل من السكوت عليها، لاسيما وأن إهمال ما يحدث يقود إلى مشاكل خطيرة ومقلقة، الاقتصاد والبلد بغنى عنها.
تحذيرات النابلسي تنطلق من إدراكه التام لحجم المشاكل التي نعاني منها في السياستين المالية والنقدية، وتبعات ذلك على الاقتصاد والمواطن الذي لم يلمس إلى اليوم ايجابيات النمو الاقتصادي الذي تحقق خلال سنوات بمعدلات تجاوزت بالمتوسط 7 %، حيث بقيت معدلات المداخيل تراوح مكانها.
نحن بحاجة ماسة للخبرة التراكمية لتلك الأجيال من الاقتصاديين التي ماتزال حاضرة بيننا، أمد الله في عمرها، وذلك لوضع رؤية اقتصادية محكمة وعملية للتخفيف من وطأة الظروف الصعبة التي نعاني منها، وخصوصا ان أصحاب هذه الخبرات ليسوا من الفئة التي تتمسك برأيها، بل تعطي حكمها بناء على معطيات ومعايير.
فالنابلسي الذي كان بالأمس من أنصار إعادة النظر بسياسة ربط الدينار بالدولار لحساب سلة العملات، لا ينكر اليوم أن الفرصة ضاعت لاتخاذ مثل هذه الخطوة التي يرى فيها اليوم قرارا خطيرا يهدد بتبخر الاحتياطي الأجنبي من العملات الصعبة لدى المركزي.
الشخصيات الاقتصادية من وزن النابلسي وخبراتهم الكبيرة هم تماما ما نحتاجه في هذا الظرف الصعب، والأخذ برأي أهل الخبرات من أصحاب الوزن الثقيل أمثال زياد فريز، وميشيل مارتو واجب، فليس عيبا أن نستشير أهل الخبرة والدراية منا، فما خاب من استشار.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة