في عام 1823 أصدر سلطان زنجبار فرمانا يلغي الرق ويمنع الاتجار بالرقيق، فتدخلت فرنسا وأجبرته على إلغاء القرار، فقد كانت أعمال خطف الأفارقة وبيعهم في القارة الأميركية من أهم أعمال التجارة في ذلك الوقت، ويقدر عدد الذين نقلوا من أفريقيا على مدى مائتي سنة لاستعبادهم أميركا بحوالي مائة مليون إنسان، توفي ربعهم على الأقل في أثناء عمليات الشحن بسبب الظروف بالغة البشاعة والقسوة التي كانوا يشحنون بها عبر المحيط الأطلسي.
وكان عدد سكان القارة الجديدة التي عرفها الغربيون في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي وأسموها أميركا، ولكنها كانت معروفة بالنسبة للعرب والأفارقة قبل ذلك بألفي سنة حوالي خمسين مليونا، وهو نفس عدد سكان القارة الأوروبية في ذلك الوقت، واليوم فإن عدد السكان الأصليين لا يزيد على الأربعين مليونا مقابل حوالي مليار نسمة أوروبي.
لكن غير بعيد عنا في القرن العشرين جرت على أيدي الحضارة المتنورة عمليات إبادة واسعة للشعوب والمجتمعات والثقافات وأنظمة الاقتصاد والإنتاج شملت بظلمها وثقلها ثلاثة أرباع العالم، وللأمانة أيضا فقد شارك في هذه المجازر أنظمة سياسية وطنية، وفي كتابه "الإبادة" يعرض روبرت فيسك عددا من أعمال الإبادة والمجازر التي جرت في بلاد عدة مثل فلسطين والجزائر والعراق، ولكنه نسي أو ربما لم يتسع المجال لعرض المجازر التي لا يمكن وصفها بسبب القنابل النووية التي ألقيت على مدن يابانية، وما جرى في القارة الهندية على يد البريطانيين وما يجري اليوم ومنذ أكثر من عشر سنوات في القارة الأفريقية المنكوبة بالغرب.
من المعلومات الجديدة بالنسبة لي أن قرى فلسطينية/ لبنانية تعرضت لأعمال مجازر وحشية عام 1923 على يد القوات البريطانية واليهودية، مثل النعامة والزوق وترشيحا والخالصة والكتية واللقاس" وذلك فقط لأجل تعديل الحدود بين فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني ولبنان الواقعة تحت الانتداب الفرنسي لتتوسع بريطانيا قليلا في شمال فلسطين/ جنوب لبنان.
وكانت هناك صفقة قذرة وراء هذا الاتفاق، إذ أظهرت السجلات القديمة في بيروت أن تلك الأرض سُلمت لقاء اتفاقية عُقدت مع شركة فرنسية من أجل تجفيف مستنقعات في المنطقة للاستعمال التجاري، وقد سميت في ذلك الزمن"اتفاقية حسن الجوار".
وقبل 87 عاما من الإعلان البريطاني الموجه للشعب العراقي الذي يؤكد أن الجيش البريطاني جاء محررا للعراق من الاحتلال التركي، وقبل 173 عاما من غزو الرئيس الأميركي بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير للعراق للأسباب عينها، تدفق الفرنسيون على الشاطئ في خليج سيدي فرج الجزائري الهادئ وهم يحملون أوهاما مشابهة، ليبدأ تاريخ الجزائر المستعمرة، الطويل والمظلم.
ويتفق معظم المؤرخين أن مجزرة سطيف عام 1945 التي قتل فيها المستوطنون الأوروبيون والدرك والقوات الفرنسية نحو ستة آلاف جزائري انتقاما لقتل 103 أوروبيين، ويقول ويزعم الجزائريون ان 1.5 مليون جزائري قتلوا خلال السنوات الثماني من ثورة نوفمبر/تشرين الثاني التحريرية التي اندلعت عام 1954 وانتهت عام 1962.
وفي باريس مات الجزائريون بالمئات عندما احتجوا في أكتوبر/تشرين الأول 1961 على حظر التجول الذي فرضته عليهم الشرطة، فهاجمتهم بوحشية وقتلوا أكثر من 300 منهم، وأُلقيت جثثهم في اليوم التالي في نهر السين.
وقد تعرض العراق لقصف بمئات آلاف الأطنان من المتفجرات يفوق بأضعاف ما جرى من قصف في أثناء الحرب العالمية الثانية، وتعرضت القوات العراقية ثم الشعب العراقي إلى مجازر بلا مبرر، وتقول بعض التقارير إن الرقم للضحايا الذين قتلوا مباشرة يقترب من ثلاثة أرباع المليون، وأما عدد الأطفال الذين ماتوا بسبب الحصار على مدى ثلاثة عشر عاما فيقدر بنصف مليون طفل، وهو ثمن تراه أولبرايت معقولا ومبررا لأجل تحرير العراق!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد