نستغرب أن تحمل رسالة جزء كبير من الإعلام العربي لما يجري في دبي عنوان التشفّي ، وأن يتنافس الكتاب على وصف الإمارة العربية الناجحة بالفقاعة أو البالون ، وأن يتبارز المحللون على شرح الأسباب السطحية ، دون أدنى محاولة لوضع الأمور في سياقها الصحيح ، أو على الأقلّ وضع الاحتمالات الأخرى.

وإلى ذلك ، فالأغلبية تتحدّث عن دبي وكأنّها أزيلت عن الخريطة ، بعد أن غمرتها الرمال ، ونشرت صنداي تايمز صورة للشيخ محمد بن راشد وهو يغرق بين أمواج البحر ومعه ناطحات السحاب ، وامتلأت المواقع الالكترونية العربية بالأخبار عن الأمر لأنّ دبي منعت توزيع العدد ، وتنافخ المدافعون عن "حرية الصحافة" بإصدار البيانات والاحتجاجات.

وفي هذا البحر الهائج ، ضاعت أصوات تحاول التحدّث بعقلانية ، وتريد أن تقول إنّ مئات البنوك العالمية الضخمة أفلست وأغلقت أبوابها ، ومثلها من الشركات الكبيرة ، وتأثّرت الدول الكبيرة قبل الصغيرة بالأزمة العالمية التي صدّرتها للعالم أميركا العظمى ، وكان لا بدّ لمركز مالي كدبي أن يتأثّر ، ولشركات ضخمة كدبي العالمية أن تترنّح.

الشيخ محمد بن راشد ليس شخصية عادية تكتفي من حياتها بمرور الكرام ، وهو كوالده المؤسس راشد بن سعيد آل مكتوم يعمل لدبي وكأنّها مركز الكون ، ويريد لها أن تطاول الفضاء ، وهذا يُزعج الكثير من اللاعبين الدوليين ، وحكاية شركة موانئ دبي التي فازت بعطاء إدارة موانئ أميركية دون أو يُنفّذ ما زالت ماثلة للعيان.

في الربع الأخير من السبعينيات وصلنا دبي ، وعشنا فيها سنوات ، وكان لنا شرف اللقاء غير مرّة مع الشيخ العود المؤسس راشد ، ومع ابنه الشاب حينها محمد ، وكنّا نستمع من الأوّل لحجم تحديات التأسيس ، ومن الثاني لحجم الأمل والطموح ، وكانت دبي خلية عمل تجمع أهمّ العقول العربية ، وحين عدنا إليها بعد سنوات لم نعرفها ، وفي يقيننا أنّ العقل الذي أسّس الإمارة على الإنجاز والتميّز سيعمل بسرعة على تجاوز الأزمة ، وأكتب كلامي وأنا أستمع للشيخ محمد بن راشد يصف ما جرى بضرب الشجر المثمر بالحجارة ، وليس لدينا شكّ في أنّ دبي الحبيبة شجرة عربية طيّبة مثمرة ، جذورها في آخر الأرض ، ورأسها يطاول السحاب.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باسم سكجها   جريدة الدستور