أعمال الشغب التي تقع في الجامعات تتحول إلى ظاهرة متكررة على ساحات الجامعات الحكومية والخاصة، وتحتاج إلى توقف طويل ربما يؤدي إلى مراجعة استراتيجية للمناهج الدراسية الصفية واللاصفية في المدارس والجامعات. وأرجح أن استطلاعات الرأي بين طلبة الجامعات ليست حاسمة في تحليل الظاهرة وفهمها وإن كانت مفيدة وتساعد في التفكير واتخاذ القرار، ولكنا بحاجة أولا إلى اتفاق حول سؤال هل يمثل شغب الجامعات مشكلة أصيلة بذاتها أم أنه عرض لمرض وأزمات أخرى تعبر عن نفسها بالشغب؟ أعتقد أننا جميعا أو معظمنا نتجه لاعتبارها عرضة لمشكلة وأزمات أخرى، وإن كنا سنختلف كثيرا في تشخيص هذه الأزمات أو الاتفاق حولها، وبخاصة مع اختلاف المداخل وزوايا الرؤية التي نستخدمها في التفكير، دينية أو سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية.
وفي حديثي مع الناس، الزملاء والأصدقاء والطلاب، لاحظت أن الاتجاه العام لتفسير الظاهرة يردها إلى التنشئة الأسرية والمجتمعية والمدرسية الخفية منها والمباشرة الواضحة.
فمن المعلوم أن الأسر والمجتمعات والمدارس والمؤسسات تشكل الأفراد والمجتمعات، ويجب أن تكون هذه المؤسسات مدركة بوضوح لما تريده من الأجيال بالتحديد، وأن تدرك أيضا أخطاءها في التنشئة والتشكيل.
يفترض أن تكون الجامعات هي الحاضنة التي تشكل الطبقات الوسطى والنخب في المجتمع، ومن ثم فإن سياساتها ومناهجها وتقاليدها يجب أن تكون مستمدة من هذه الفلسفة، ويقتضي ذلك بداهة أن يكون نصف أوقات الطلاب والأساتذة على الأقل في برامج ومساقات تتصل بقيادة المهن والمجتمعات والانتماء والمشاركة، العمل التطوعي والثقافي والرياضي والفني، والمقررات الجامعية والمناهج والكتب التي تهيئ الطلاب وتزيد وعيهم بالمجتمع والمهن والمؤسسات والقيادة.
ولذلك فإن كل محاولات التوعية والضبط التي تجري للسيطرة على شغب الجامعات لن تكون مجدية إلا في حالة تشكيل طلاب الجامعات جميعهم بلا استثناء في فرق للعمل التطوعي والمهني والمشاركات الثقافية والفنية والرياضية، وإذا لم يجد الطالب الجامعي لنفسه مجالا في الجامعة يقضي فيه وقتا مساويا لوقت الدراسة الصفية المنهجية في المباريات الرياضية والأنشطة الثقافية والفنية والمشاركة المجتمعية والتأهيل المهني والعام والقيادي، وأن يتشكل حول الجامعة مجتمع من الناس والمصالح المرتبطة بها، مساكن للأساتذة والموظفين والطلاب وأندية ومدارس وأسواق تجعل الجامعة مجتمعا أو مدينة ينتمي إليها الطلاب والأساتذة والموظفون.
والمجتمع المحيط أيضا والقريب من الجامعة يجب أن يجد في مكتباتها وأسواقها وأنديتها وبرامجها فرصا للتفاعل والمشاركة، والأصل أن المجتمعات تنبثق عن المجتمعات المحيطة، المدن والمحافظات، أو التخصصات والمهن التي تحتاج إلى تأهيل جامعي فتكون النقابات المهنية والعمالية شريكة ماليا وإداريا وثقافيا للجامعات لتستوعب الخريجين وتوجه تأهيل وتشكيل الطلاب وفق تجربتها مع سوق العمل والمجتمعات.
والمدارس ليست بعيدة في تشكيلها وفلسفتها عما يجري في الجامعة، فالأصل أن تكون المدارس الأساسية جزءا من الأحياء السكنية، وربما يكون ثمة حاجة لقانون يلزم بأن يدرس التلميذ في المرحلة الأساسية في الحي الذي يقيم فيه لتتشكل علاقات مكانية وجوار بين التلاميذ تمتد إلى خارج المدرسة أيضا، وأن تكون المدارس أساسا وفي معظم وقتها وبرامجها ومناهجها موجهة لأهداف اجتماعية وثقافية، المباريات الرياضية والفنون والموسيقى والمطالعة والشعر والقصة والرسم.
لو أن كل طالب في المدرسة أو الجامعة مشغول مع رفاقه في زراعة الأشجار في الجبال والصحارى والتدرب على المهن والأعمال والرسم والموسيقى وكرة القدم والسلة وألعاب القوى وفي النقاش والحوار حول قضايا البلد والمجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فلن يكون ثمة مجال لمشكلة شخصية أو عشائرية أن تتسلل إلى اهتمامات الطلبة وتفكيرهم.
غياب الفلسفة والموسيقى والجمال والتاريخ والأدب والفنون عن تشكيل الطلاب والمجتمعات يبعدها عن التسامح والمواهب اللازمة للتقدم، وباختصار وبساطة لنعطي لكل طالب في المدرسة والجامعة آلة موسيقية وسنحصل على مواطن صالح.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد