في مجتمعنا الذي تحول بسرعة نحو التحديث لم نعد ندرك مدى عظمة وذكاء نمط من الرجال والنساء إلا بالاستشهاد بأبنائهم، كيف استطاع لولا هؤلاء الآباء والأمهات أن يتقدم في التعليم والعمل والمهن شباب لا يمكن مقارنة الظروف الاقتصادية التي عاشوها بأية حالة فقر نتحدث عنها أو نعرفها اليوم، وكيف امتلك هؤلاء الآباء والأمهات ذلك الوعي المسبق والإصرار على مواصلة تعليم أبنائهم في ظروف تبدو اليوم مستحيلة؟
الحاجة أم حمود، عيشة الخليل، والتي توفيت الأسبوع الماضي، واحدة من النساء الأردنيات اللواتي قدمن لهذا الوطن خيرة أبنائه، حمود العقاب، أستاذ اللغة العربية منذ عام 1962 والذي علم آلاف الشباب والصبايا عشق اللغة العربية، ولكن الأكثر جمالا وثراء علمنا كيف نجعل من اللغة وعاء للتقدم العلمي والمهني، وكيف نجعل من مهاراتنا وثقافتنا اللغوية موردا في الحياة والعمل والجمال يفوق الشهادات العلمية التي حصلنا عليها والمؤسسات التي عملنا فيها، وكيف نجعل من ذلك الوفاء العميق طاقة للحياة والعمل والتواصل وليس مجرد شعور رومانسي جميل.
ومازال حمود العقاب الذي يناهز السبعين يعلم التلاميذ، ويجلس أمامه اليوم طلاب يستمعون إليه كان يجلس قبلهم آباؤهم وأجدادهم أيضا، ونايف العقاب الذي بدأ بعد تقاعده من الجيش رحلة دراسة جديدة ليحصل على أعلى الشهادات ويعمل أستاذا في الجامعة، وعلي العقاب أستاذ اللغة العربية، لم أقابله إلا في مناسبات قليلة جدا ربما لا تزيد على مرتين أو ثلاث برغم روابط القرابة والجوار في السكنى والزراعة، ولكني أتذكر باعتزاز قصة زملاء الدراسة العُمانيين في المملكة العربية السعودية الذين كان سؤالهم الأول بعد لقائنا هل تعرف الأستاذ علي العقاب؟ فالأردن كان يعني لهؤلاء علي العقاب الذي جعل العُمانيين يحبون الأردن والأردنيين، وعاطف العقاب الذي بدأ حياته حرفيا وعلم نفسه في أثناء عمله ليحصل على الثانوية ثم الشهادة الجامعية، وفهمي العقاب أستاذ الطب والجراحة بجامعة العلوم والتكنولوجيا.
في تلك البلدات التي لم تعد قرى ولم تصبح مدنا يلتقي في مناسبات العزاء شباب لم يلتقوا منذ عشرات السنين، أساتذة جامعيون وأطباء ومهندسون ومعلمون ومحامون وقضاة وضباط في الجيش والأمن وموظفون ومتقاعدون، ربما تكون المناسبة الوحيدة ليلتقوا على نحو أقرب إلى المصادفة. فالأعراس والأعياد لم تعد تجمع إلا الأقرباء القريبين، ويستحضرون أياما وتجارب تحتاج من الحكومات والمجتمعات والأجيال أكثر من توقف وتذكر.
كيف جعل هؤلاء من الوعي والإدراك موردا هائلا يتجاوز الفقر والظروف الصعبة أوصل إلى مقدمات المهن والأعمال عشرات الآلاف من الشباب، كيف تقدم هؤلاء في المهن، في تلك القرى المعزولة عن العالم، لا طرق ولا كهرباء ولا اتصالات، ولا مدارس إعدادية أو ثانوية قريبة، ولا طعام ولا أحذية ولا ملابس كافية، كيف حصل أولئك التلاميذ(شبه الحفاة العراة الجائعين بالمعنى الحرفي للكلمة) على أعلى المعدلات في الثانوية العامة؟ وكيف تفوقوا في المباريات الرياضية بلا ملاعب ولا حتى كرات للعب؟ كيف أحبوا الحياة وأدركوا أعمق معاني التسامح والجمال وهم قد نشأوا في ظروف من الجوع والحرمان والعمل المبكر والإرهاق والتهميش؟
هؤلاء الآباء والأمهات الذين صنعوا نهضة أقرب إلى المعجزة تعجز عنها اليوم المؤسسات والجامعات المترفة، وقدموا لنا ما عجزنا أن نقدمه لأبنائنا، وجعلوا مما يبدو سرابا ووهما موردا للتقدم يحتاج كل المسؤولين والأساتذة والقادمين من العواصم القريبة والبعيدة ومصممي السياسات والاستراتيجيات أن يشدوا إليهم الرحال ليتعلموا أكثر وأفضل بكثير مما تعلموه أو لم يتعلموه من قبل.
وحتى لا نكون نأكل آباءنا(بعكس الثورات والقطط) فإن أولئك العظماء الذين قدموا للأوطان والمجتمعات بصمت ونبل ما نعجز عن إدراكه وربما تكراره يستحقون منا أكثر من أن نتذكرهم عند وفاتهم، وتلك الأماكن والتجارب تستحق منا ويتوجب لها علينا ما يكافئ أنها نحن، ولأن نسيانها يعني عجزنا عن إدراك ووعي ذاتنا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد