ثمة ما يدعو إلى الاستنتاج بأن حماس عبرت عنق الزجاجة وسوف تكسر الحصار، ويبدو أن ثمة رغبة أميركية وإسرائيلية وبالطبع عربية وإسلامية بالسماح لحكومة حماس بالاستمرار، وبقي العائق الوحيد أمام نجاح التجربة هو حركة فتح لأنها ببساطة هي الخاسر الأكبر، وهذه حقيقة تحتاج حركة فتح أن تعترف وتقبل بها، فما جرى في فلسطين هو ما جرى أيضا في الجزائر عندما انتهت جبهة التحرير الجزائرية، وما حدث في مصر(نهاية ثورة 23 يوليو) وما جرى في العراق وسورية(نهاية البعث)، ويحتاج قادة فتح اليوم إلى قدر من الحكمة والسرعة في اقتناص لحظة مرور الحصان والقفز على ظهره، وهي لحظة خاطفة ستضيع على من لا يقتنصها فرصة النجاة والاستمرار.
هذه اللحظة تتمثل في شراكة حقيقية ومخلصة مع حماس لأنها(حماس) بحاجة إلى هذه الشراكة ومستعدة للقبول بها، بدليل حرصها منذ البداية على حكومة الوحدة الوطنية، فلم تكن المشكلة في إفشالها يعود إلى حماس، لأنها تدرك أنها بحاجة إلى إجراء متوالية طويلة ومعقدة من التراتيب الداخلية والإقليمية والعربية والتي لا يمكن إنجاحها بدون حركة فتح، ولكن بعد سنوات قليلة لن يكون ثمة حاجة لذلك فإذا شاركت فتح في هذه اللحظة فإنها ستكون بعد أربع سنوات شريكا دائما مع حماس، وإذا لم تفعل فإنها ستكون أمام خيارين: أن تفشل حماس وتفشل هي أيضا(علي وعلى إخواني) أو يمضي القطار بدونها وتتحول إلى جزء من الماضي.
كان واضحا منذ البداية أن كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل لم تكونا تريدان القضاء على حكومة حماس ولا الحركة أيضا، هذا برغم التضييق الشديد والحصار، ولكن المطلوب بالنسبة إليهما هو دمج حماس في العملية السياسية ودفعها إلى المشاركة بشروط وقواعد اللعبة وممكناتها، وكانت المشكلة الكبرى هي حالة التفكك والانقسام في إسرائيل ونخبها وقياداتها السياسية والعسكرية، واحتمال انهيار الحكومات، وعجز الأحزاب السياسية التقليدية عن التحرك والمبادرة، ولكن يبدو أن ثمة قناعة لدى حزب العمل بضرورة التفاوض مع حماس والتفاهم معها، وقد يكون - كما يبدو في الإشارات الصحافية- قد التقى قادة حماس في الدوحة عندما كان هناك، ونشرت الصحافة أيضا أن المسؤولين القطريين يسعون في ترتيب لقاء بين تسيبى ليفيني وزيرة الخارجية الإسرائيلية والشخصية الأكثر حضورا وأهمية اليوم في السياسة الإسرائيلية والتي يتوقع أن تشكل الحكومة القادمة، وبين قادة حماس وربما يكون قد جرى ذلك بالفعل، وربما تكون عمليات الاعتداء والهدم في المسجد الأقصى الجارية اليوم هي تعكس الخلاف والانقسام السياسي في إسرائيل أكثر من أي شيء آخر، فهذا الهروب إلى قضايا دينية تحشد الجماعات الدينية الإسرائيلية وراء أولمرت المهدد والضعيف، وتقطع الطريق على حزب العمل الذي يبادر بهدوء إلى ترتيب أوراقه، والاستفادة من فرصة الضعف الشديد لكاديما والليكود وربما انهيارهما، صحيح أن حزب العمل ليس أفضل حالا، ولكن ابتعاده عن أزمات الفساد ومسؤولية نتائج الحرب في لبنان تجعله يلتقط أنفاسه.
ما يجري في المسجد الأقصى اليوم يذكر بحركة شارون عام 2000 عندما اقتحم المسجد الأقصى ليقطع الطريق على اتفاق كامب ديفيد ومنع باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك من الوصول إلى اتفاق مع عرفات، وأشعل شارون الانتفاضة وأدخل إسرائيل والفلسطينيين في مرحلة جديدة لأنهم(الإسرائيليون والفلسطينيون) لم يكونوا مستعدين بعد للاتفاق الذي حاول كلينتون أن يتوصل إليه.
الفلسطينيون اليوم باختيارهم لقيادة جديدة حيوية وشابة يبدون متهيئين للقبول بمبادرة جديدة أو إحياء مبادرات قديمة، فهم في حالة من التماسك غير مسبوقة، ولكن الإسرائيليين لا يبدون كذلك، فقد انقلبت الحالة من غياب الشريك الفلسطيني إلى غياب الشريك الإسرائيلي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد