ما من شك أن لدى الأردنيين أسبابا كثيرة للعزوف عن المشاركة في الانتخابات المقبلة.
وتلتقي عوامل مثبطة مختلفة تسهم بقتل الرغبة لدى الكثيرين للمشاركة في العملية الانتخابية التي ستجري بعد 20 يوما.
والمبررات متعددة، أهمها سوء الأوضاع الاقتصادية وترسخ القناعة لدى شرائح واسعة أن لا جدوى من التصويت ولا فائدة من المشاركة، فالمجالس النيابية السابقة عجزت عبر السنوات الماضية عن ممارسة صلاحياتها في الضغط على الحكومات من أجل إحداث تغيير يصب في الصالح العام.
وثمة من يردد عبارة ما تأثير صوتي في تشكيلة مجلس النواب، ومنهم من يتساءل ماذا سأستفيد؟ وسط قناعة أكيدة بأن كل المنافع والفوائد تعود أولا على آخِر للنواب أنفسهم من خلال الامتيازات التي يتمتعون بها، والمكتسبات التي يحققونها.
بعض آخر يعتقد أن ما يفرزه قانونا الانتخابات المؤقت الحالي والسابق من مواصفات للنواب لم يعد يرضي طموحاتهم حيال مجلس النواب، ولا يقدم ما ينتظرونه منه من أجل خدمتهم والحفاظ على حقوقهم من خلال ممارسة مهمتهم التشريعية وإقرار قوانين، كثير منها أرهق الناس.
فمواصفات بعض النواب ممن جلسوا تحت القبة، لا تتطابق مع المواصفة القياسية التي وضعها المواطن الأردني في عقله وتفكيره حيال النائب المطلوب، بل إن كثيرا من نوابنا لم يجتز فحص المواصفات والمقاييس التي قدرها الناس وفق معايير محددة عالية الجودة.
وأدى رواج فكرة نائب الخدمات إلى النتيجة ذاتها، خصوصا أن نواب الخدمات لن يتمكنوا ،حتى لو توفرت لهم كل التسهيلات، من الوفاء بجميع احتياجات الناس من توفير وظائف وحل للمشاكل، فمثل هذه الأمور بحاجة لحكومات فاعلة تؤدي دورها بأمانة تجاه المجتمع، وليس إلى نواب دورهم الحقيقي التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية.
ولربما ساهم غياب معارضة حقيقية في مجالس النواب السابقة، بارتفاع منسوب العزوف عن التصويت، كون الناس يدركون جيدا أن غالبية ممثلي الشعب هم من "أصدقاء الحكومات" وليس من بين حساباتهم السعي لصداقة الناس.
أكثر من هذا، أن إيمان الناس المطلق بحالة التواطؤ بين النواب والحكومات في اتخاذ العديد من القرارات، ينعكس سلبيا على المجتمع ويرسخ القناعات بغياب الجدوى من المشاركة.
كل الأسباب السابقة صحيحة، ودفعت بقرار أو من دونه كثيرين للعزوف عن المشاركة في العملية الانتخابية، نتيجة احباطات متتالية ومتوالية لحقت بالناس من أداء المجالس السابقة وربما اللاحقة.
بيد أن ما يغيب عن بال وتفكير من قاطعوا الانتخابات، أنهم تركوا ساحة المشاركة لأصحاب المصالح والمنافع، وبائعي الأصوات، ما ساهم أكثر بتقهقر مستوى المجالس النيابية.
فالفراغ الذي تركه كل من يعبأ للهم العام، نتيجة فقدان الأمل بالعمل النيابي، ترك المجال لأصحاب الأجندات وسهّل وصول نواب لا يرضى عنهم الناس، كل همهم تحقيق المكاسب والمنافع الخاصة.
ووفق المعطيات السابقة، قد نكتشف أن الحياة النيابية دخلت حالة الموت السريري، وأن إحياءها وتصحيح مسيرها بحاجة إلى صحوة مجتمعية تؤمن أن التغيير لن يأتي إلا من الشارع ومن القواعد الشعبية، ولن تسوقه الحكومات.
فالمشاركة لا تعني بالضرورة انتخاب شخص بعينه، بل من الجائز أن تكون مجرد ورقة بيضاء توضع في الصندوق وتتحدث ضمنيا عن كل المثالب والمشاكل السابقة. فشاركوا وضعوها على الاقل ورقة بيضاء.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة