يفتح العنف الدائر في مدينة السلط الباب مجددا للحديث عن ظاهرة العنف الاجتماعي التي دبت في البلد خلال الفترة الأخيرة وتكررت مشاهدها في أكثر من موقع في محافظات مختلفة.
واختلاف أسباب اندلاع العنف واتساع مداه لا يعفي من التفكير بعمق في الظروف والأسباب الكامنة وراء تكرار المشاكل وعلى رأسها مدى تحقق سيادة القانون وحكمه لجميع أطراف المعادلة.
والحديث عن ما مضى من حالات عنف يعطي دروسا يستفاد منها في المستقبل، ففي حالة السلط ومناطق أخرى مثل عمان، كان يمكن تجاوز العنف الدائر وتجنب حدوثه لو احتكمت الجهات الشعبية والرسمية للقانون.
فمن حيث المبدأ لا يجوز لرجل الأمن أن يطلق النار كيفما اتفق، ولو كان البدء من هنا لما حدث شيء في السلط، ولو أن رجل الأمن التزم بالقانون لما سمح لغيره من الشباب والمدنيين بمخالفته بهذا الشكل الصارخ.
وحول الأسباب الأخرى التي تقود للعنف للاجتماعي بشكل خفي وغير ظاهر وتحديدا الاقتصادية، استذكر حوارا دار بيني وبين مسؤول أمني مهم حول العلاقة بين الفقر والبطالة وتفشي ظاهرة العنف، إذ يقول المسؤول “ لا يوجد أي دلالات تؤكد وجود علاقة بين تردي الظروف الاقتصادية واتساع مشكلتي الفقر والبطالة وتكرار المشاكل”.
وعند سؤال المسؤول إن كان كلامه مثبتا بدراسات علمية واستطلاعات تؤكد المعلومات أو تنفيها، رد بأن الجهة التي يرأسها لم تجر أية دراسات، مدللا على رأيه بمشاهداته الشخصية.
المسؤول أكد نظريته بأن الشباب المتسبب بالعنف يحمل هاتفا خلويا أو يدخن السجائر نوع كذا، فكيف يكون فقيرا أو عاطلا عن العمل؟.
رد المسؤول انطوى على فهم مغلوط لطبيعة المجتمع، وخطأ في تقدير نوعية العلاقة بين الظروف الاقتصادية وبين مسلكيات الفرد الاجتماعية وعلاقته بمجتمعه وولائه لبلده، التي ترتبط بعلاقة طردية قوية.
فكلما تحسنت الظروف الاقتصادية للفرد، تعمق ولاؤه ونأى بنفسه عن المشاركة في العنف، وليس صحيحا ما يقال حول غياب العلاقة بين الحالة الاقتصادية ونزوع الفرد إلى العنف والقتل والتدمير.
وأبعد من العنف نجد أن غياب العدالة في توزيع مكتسبات التنمية واتساع ظاهرة الفساد ساقا أفرادا نحو التطرف وجعلاهم منزوعين من مجتمعاتهم، حيث أدى غياب المساواة وعدم تساوي الفرص إلى إيجاد شرائح من المجتمع غير منتمية بل محتقنة وغاضبة تسعى لتفريغ كرهها وبغضها بأشكال متعددة بالتخريب والعنف وأبعد وأخطر من ذلك بالإرهاب.
ودراسة التطورات الاقتصادية التي مرت بها البلاد خلال سنوات من الإصلاح الاقتصادي، تكشف وجود عوامل مشتركة كثيرة بين من انتزعوا أنفسهم من مجتمعاتهم وصنعوا مجتمعات خاصة كارهة لمحيطها وغير راضية عن ضوابطه، وبين شرائح واسعة غاضبة وغير راضية تعبر عن عدم قبولها بإشعال حالات العنف وارتكاب الجرائم والتخريب.
ما وصل إليه المجتمع ليس إلا نتاجا طبيعيا للمعايير التي حكمت خلال الفترة الماضية، ومن غير المتوقع أن تجف منابع العنف إلا بسطوة القانون وسيادته على الجميع بعدالة ومن دون تمييز.
ولن تستوي الأمور في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وترديها، ما يحتاج إلى ترسيخ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، فتحقيق الأمن المجتمعي غير متاح إلا من خلال الفرد وتوليد الشعور لديه بالمسؤولية التي تبدأ بالالتزام بالقانون.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة