إذا كُنت تمضي خمس عشرة ساعة يومياً أمام شاشة الكومبيوتر ، قراءة وكتابة ، فكم تبقّ معك من الوقت لقراءة حقيقية ، أعني تلك التي كبرنا عليها ، حيث كتاب حميم تبدأه ولا تنتهي منه إلاّ مع صفحته الأخيرة.

تلك عادات تتخلّى عنّا ، فالسطحية باتت عنوان حياتنا ، وأسجّل للكاتبة الرائعة نُهى بطشون أنّها أخرجتني من أسر الشاشة إلى فضاء الكتاب ، ومع الجزء الأوّل من سيرتها الذاتية: "راهبة بلا دير" ، كنتُ أمام نصّ لا يملك معه رجل عاش عمره مع ذكريات أهله عن يافا سوى التسمّر ، والتأمّل ، وبعض من دموع ، وكثير من أمل.

نُهى بطشون لا تُقدّم لنا هنا مجرّد ذكريات ، بل تُلخّص حياة مدينة ما زالت آسرة لأبنائها بعيون طفلة غادرتها ولم يزد عمرها على الإثنتي عشرة سنة ، ولكنّها تبدو وكأنّها كانت تبلغ قرناً من الزمان ، فالطفل الفلسطيني يكبر قبل أوانه ، ويشيخ في شبابه ، ويموت في كلّ يوم مع كلّ ذكرى ، وكلّ حنين.

وتلك قصص سمعتها من أهلي ، وتكاد تتطابق في تفاصيلها ، فالبيوت هي هي ، سواء أكانت لعائلة مسيحية ام مسلمة ، ويافا هي يافا ، بعيون طفلة أو شاب أو عجوز ، ولكنّ ما يميّز نصّ بطشون أنّه آت من مثقّفة فنانة مرهفة جابت الدنيا ، وقابلت الكبار ، وفي جنوب إيطاليا تتنسّم عبق زهر برتقال يافا ، أمّا في عمّان فهي تعيش أسر المنزل الأوّل.

أعرف المئات ممّن غادروا يافا قبل أكثر من ستين عاماً ، ولكنّها لم تغادرهم أبداً ، ومن كتاب بطشون برقية وصلت إلى أختها من صديقة لها في يافا لم تُغادر ، وبعد أسبوعين فقط من الخروج ، وتقول فيها: لقد كانت مغادرتكم خطأ كبيراً ، ولعلّها كانت محقّة في هذا إلى آخر حدّ.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  باسم سكجها   جريدة الدستور