ما يزال الأردن بعيدا عن تحقيق أهداف الألفية، ولا تبدو الرحلة لبلوغ الغاية قصيرة أو سهلة، بل هي طويلة ومعقدة ومنهكة، ويبدو أن السياسات المطبقة لم تفلح بعد في دفع مؤشرات غالبية الأهداف إلى الأمام.
الآن وقد مضى عقد من الزمان على إطلاق مبادرة الألفية، يمكن توقع أن الخمس سنوات المتبقية للعمل على تحقيقها لا تكفي، وأن جعلها واقعا وحقيقة في العام 2015 بات ضربا من الخيال.
التقرير الوطني الثاني للأهداف الإنمائية الذي صدر أمس استخدم عبارات تجميلية ومواربة لإخفاء القصور الذي رافق العمل منذ نحو عشر سنوات والابتعاد عن كلمة الفشل، رغم أن التقييم المنطقي والعادل يؤكد الإخفاق في تحقيق العديد من الأهداف المدرجة وعددها ثمانية.
التقرير استعمل جملا مثل "هدف قابل للتحقق إذا اتخذت بعض الإجراءات"، ولا أدري لماذا لم تنفذ الإجراءات المقصودة، خصوصا وأنها معروفة وبينة، فإذا كان عمل الجهات الحكومية يتعطل فما حال الجهات الأخرى؟
الالتفاف الثاني على الحقيقة كان من خلال اللجوء إلى عبارة "هدف ذو احتمالية عالية التحقق"، والمعنى الحقيقي والمخفي خلف هذه الكلمات أن هذه الأهداف أيضا لم تنجز بعد عشر سنوات من العمل.
الحكومة تؤكد أن النجاح حالف هدفا واحدا فقط هو تعميم التعليم الأساسي، فيما تتحدث بخجل عن هدفين يسيران في الطريق الصحيح، وأن فرص إنجازهما ممكنة مستقبلا، رغم أنها لم ترتقِ إلى ما تم تحديده في العام 2000، وهما تحسين صحة الأمهات، ومكافحة الإيدز والملاريا وغيرهما من الأمراض.
فيما باقي الأهداف قابلة للتحقق بشروط، ومنها القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة، إلى جانب هدف خفض وفيات الأطفال، وإقامة شراكة عالمية لأجل التنمية، وضمان استدامة البيئة. صحيح أن كل الأهداف السابقة مهمة ونبيلة، بيد أن العمل على تطبيقها كل على حدة لن يرتقي للتطلعات، خصوصا وأن جزءا من الجهود المبذولة يضيع في ظل غياب التنسيق بين الجهات المختصة.
وأهداف الألفية الثمانية مهمة، بيد أن محاربة الفقر المدقع والجوع أهمها وأكثرها مركزية، خصوصا وأن النجاح في إحراز هذا الهدف يصب بشكل مباشر في تحقيق ما تبقى من الأهداف.
فتقليص معدلات الفقر والجوع، بالتأكيد يساهم في تحسين صحة الأمهات وخفض وفيات الأطفال، خصوصا وأن ارتفاع معدلات هاتين المشكلتين نشهده لدى الأسر الفقيرة أكثر من مثيلتها المقتدرة.
كما أن بلوغ هدف التخلص من الفقر المدقع والذي يتضمن في ثناياه الحديث عن معدلات البطالة لدى الشباب ويعالج مشكلة تدني مساهمة المرأة الاقتصادية يسهم بشكل فاعل في تعزيز المساواة بين الجنسين، ويؤدي بشكل لافت إلى تمكين النساء.
مكافحة الفقر المدقع هدف مركزي، واتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بالتخلص منه سيساعد في النجاح في اجتياز باقي الأهداف، لا سيما وأن بقاء الفقر وتفاقمه يؤدي إلى فقدان السيطرة على باقي الأهداف، فالبيئة الفقيرة والمعدمة مهيأة لاستفحال جميع المشاكل الأخرى فيها.
قبل سنوات أعدت وزارة التخطيط دراسة تؤكد أن معالجة الفقر المدقع في الجيوب يمكن من خلال إنفاق مبلغ يبدو اليوم متواضعاً، وتصل قيمته حوالي 91 مليون دينار، ولكن هذا الاقتراح لم يرَ النور وحاربه بعض المسؤولين واستعدوا من قدموه، وها هو ملف الفقر يتسع ويتفاقم وأهداف الألفية تراوح مكانها.
تباطؤ العمل في هذا الملف لم يصطدم فقط بعداء بعض المسؤولين للتنمية، بل جاءت الأزمة المالية العالمية لتجهض على ما تبقى من آمال لإنجازه، وبقاء وتيرة العمل ضمن إيقاعها الحالي ينذر أن العام 2015 سيحل والأهداف على حالها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة