أتذكر كيف كنا، شبابا وصبايا، نحفر في تراب قلعة الربض في عجلون، ونساهم في ترميمها كجزء من برنامج الخدمة التي نؤديها ضمن متطلبات جائزة الأمير الحسن الشبابية.
وإلى اليوم ما يزال حكمي على تردي مستوى الخدمات الصحية المقدمة في المستشفيات الحكومية راسخا، بعد قضاء ثلاثة أسابيع في مستشفى الحسين الحكومي في السلط لخدمة المرضى ومساعدة الكوادر، تمكنت خلالها من معاينة الصعوبات والتحديات وقلة الإمكانات التي يعاني منها المرضى والعاملون على حد سواء.
وأشعر بالفرح كلما تذكرت أنني ساعدت بشكل بسيط ومحدود في إنشاء مركز الأمل لعلاج السرطان، عندما ساهمت بجمع التبرعات المالية لهذا المشروع الإنساني المهم، والذي لم أدرك أهميته آنذاك وعمري لم يتجاوز 13 عاما.
وما زلت أزهو بحصولي على جوائز الأمير الحسن البرونزية والفضية والذهبية، وتلك المسافات الطويلة من المسير الليلي والنهاري التي قطعناها لنعرف جزءا محدودا من بلدنا في الشمال والوسط والجنوب.
الشعور بالتحدي والرغبة بتجاوز الصعاب والتكيف مع الحياة القاسية، كان صعبا في حينه وممتعا في ذات الوقت، ولم نعلم جميعنا كم ستلعب هذه الأنشطة دورا في نضوجنا الفكري وتطلعنا وأملنا بأن نساهم ولو قليلا في بناء هذا البلد.
أما المخيمات الكشفية، فبلا شك أسهمت، ولو قليلا، في بناء شخصياتنا وتعزيز استقلاليتنا، وزرعت فينا الكثير من مشاعر المواطنة التي لا تقدِر كل محاضرات وشعارات العالم والتنظير على خلقها وتوطينها في النفوس.
كان هذا قبل المرحلة الجامعية، التي أمضينا سنواتها الأربع بلا أي أنشطة لامنهجية، وبلا برامج تسهم ببناء الشخصية لتملأ حالة الفراغ الفكري لدى شرائح واسعة من الشباب لم يعرفوا من الوطن سوى البيت والمدرسة والحي الضيق.
اليوم وبعد أن بتنا نشهد بشكل جليّ انحدار المستوى الفكري لدى الشباب الذي يولد ممارسات خاطئة مدمّرة للنسيج الاجتماعي، تبدو الحاجة ماسة لإعادة إحياء فكرة خدمة العَلَم، أو فكرة خدمة الوطن، كما يفضل القائمون عليها تسميتها.
فخدمة الوطن حتى وإن كانت إجبارية ستنسج روابط قوية بين الفرد ومجتمعه، فمن يخدم في أحد المستشفيات سيجد صعوبة في تكسير زجاج هذا المبنى الذي أمضى فيه وقتا وكان شاهدا على سوء أوضاعه.
ومن يسهم ببناء شارع أو صيانته لن يهون عليه أن يكسر واجهات المحال فيه، ومرد ذلك إيجاد علاقة موالاة بين الفرد ومجتمعه، وتحديدا لدى الشباب الذي يشعر بالاغتراب في وطنه ويحس أن لا شيء يربطه بالمكان.
التفكير غير التقليدي تجاه خدمة الوطن بحسب ما يرشح من معلومات أولية سيساهم في خلق شباب منضبط، وواع، ومدرك لحجم المشاكل التي تعاني منها البلاد، ليكون الشباب جزءا من الحل وليس عبئا ثقيلا يتمثل بظاهرة العنف التي يعد الشباب وقودها أولا وأخيرا.
إخراج الجيل الحالي من دوامته، وجعله أكثر انصهارا مع المجتمع، توليفة لا يمكن تحقيقها إلا بأدوات مبتكرة بعيدا عن انتقاد الشباب ولومهم على خطاياهم التي ارتكبوها بحق الوطن، وكأن اللائم براء من ذلك.
العيب ليس في الشباب بل في سياسات التهميش والتحييد التي مارستها حكومات بحقهم على مدى عقود، والتفكير بإحياء خدمة العلم للجميع ومن دون استثناءات، لربما يساعد في خلق جيل أكثر التصاقا بوطنه، وإيمانا بقضاياه.
المراجع
alghad.com
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة