استطاعت وزارة المياه ومعها بالطبع سلطة وادي الأردن بالتعاون مع المجتمع تحقيق إنجاز كبير ومدهش في إدراة وتنظيم الموارد المائية وذلك في حالة من الفقر المائي المدقع، وأيضا في حالة من الاعتداء على حقوق الأردن المائية، فلا يكفي الأردن شح المياه وندرتها، وتزايد عدد السكان والمهاجرين واللاجئين إليه والسياح والمغتربين وتطور الحياة وأنماطها، ولكنه لا يحصل على شيء يذكر من 377 مليون م3 أقرت له في اتفاقية جونسون عام 1955 من مياه اليرموك.
ويأمل الأردن أن يحصل باكتمال سد الوحدة على 80 مليون م3 وقد تزيد إلى 225 مليون إذا أعيد تأهيل حوض نهر اليرموك الذي يخضع لاستنزاف غير عقلاني، فهناك في الجانب السوري حوالي 3500 بئر ارتوازي، وكذلك 36 سدا أقيمت على روافده لن تحوله فقط إلى واد جاف وملوث مثل نهر الزرقاء، ولكن ستتصحر المنطقة السورية أيضا بفعل الضخ الجائر الذي سيدمر المياه الجوفية كما حدث عندنا في حوض الأزرق.
وبالطبع فإن الإقرار بقدرة وزارة المياه على تنظيم وتوفير مياه الشرب للمدن والبلدات وبخاصة في عمان وفي الصيف المكتظ والملتهب وتوقف أزمة مياه الشرب في عمان منذ الأزمة الشهيرة عام 1998 يجب ألا ينسينا التحديات الكبيرة والتي يجب أن نواجهها على جميع مستويات الدولة والمجتمع، وربما يكون أكثرها إلحاحا وتحديا اليوم تأهيل نهر الزرقاء وحوضه ليعود صالحا للشرب(وليس للري فقط) لأن ذلك سيوفر موارد وجهودا هائلة وخيالية تبذل لجلب المياه إلى عمان والزرقاء، والأمر يتجاوز(قانونيا وماليا وإداريا) وزارة المياه وسلطاتها وإمكانياتها، وكذلك وزارة البيئة، فالحديث عن أربعين مليونا لإصلاح حالة حوض الزرقاء على مدى عشرين سنة يبدو محزنا ومثيرا للشفقة والرثاء.
نحتاج فورا وبدون تأخير إلى مشروع ستكون كلفته أقل من مشروع نقل مياه الديسي
(وحتى لو كان أكثر) تتعاون فيه قانونيا وإداريا جميع الوزارات والمؤسسات (أمر دفاع على سبيل المثال) لإخلاء نهائي حوض نهر الزرقاء كاملا من المباني والمصانع والمرافق، والصرف الصحي، وأن يعاد تصميم الأحياء والطرق والمباني والأودية بحيث تؤهل جميع مسارات المياه والأودية لتصب في النهر بلا تلوث أو معيقات، وضمان بقاء مسارات الأودية والمصادر خالية من الاعتداء والإعمار الذي يجففها ويلوثها، وأن تفصل تماما شبكة الصرف الصحي عن قنوات وشبكات تصريف مياه الأمطار للحفاظ على كليهما، فمشهد مياه الصرف الصحي التي تعمر شوارع العاصمة في أماكن عدة ومنتشرة لا يهدد فقط بالوباء والتلوث، ولكنه يشعر دافع الضرائب بالغبن والإحباط، وهو يرى مئات الملايين التي دفعت في هذه الشبكات تذهب هدرا بسبب أخطاء فنية وسلوكية يمكن تجنبها بسهولة وبساطة.
عمان والزرقاء قامتا أساسا على نهر الزرقاء، فهو مبرر وجودهما، مثل معظم مدن العالم التي قامت على الأنهار، وبغيابه فإنهما مهددتان بالغياب، وهذا حدث لمدن وبلدات كثيرة، وفي المقابل فإن مدنا كثيرة قامت على الأنهار، وتعرضت هذه الأنهار للتلوث بسبب المدن عادت مرة أخرى إلى النهر وأصلحته، فنهر السين (باريس) عاد نهرا صالحا للحياة وعادت إليه أسماك السلمون التي اختفت منه، ونهر التايمز(لندن) شهد حدثا مثيرا عندما رأى المواطنون حوتا في وسط المدينة، وهذا يعني بالتأكيد أن النهر أصبح نظيفا ومليئا بالحياة التي تعرضت للتهديد في فترة سابقة لدرجة تجتذب الحيتان من المحيطات بحثا عن الأسماك، وكما كان على جوانب نهر الزرقاء في عمان والزرقاء أسواق للسمك يتذكرها كثير من أهلها حتى اليوم فإن مؤشر النجاح هو أن تعود هذه الأسماك مرة أخرى.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد