من هنا يبدأ الإصلاح
على مدى سنوات تسببت سياسات زيادة الإنفاق الحكومي بتفاقم عجز الموازنة العامة، ليصل مستويات خطيرة قاربت نحو 1.5 بليون دينار خلال العام الماضي، ويتوقع أن يبلغ 1.1 بليون دينار نهاية العام الحالي، فيما كان العجز قبل عقد من الزمان حوالي 200 مليون دينار خلال العام.
تزايد العجز رافقه نمو في حجم الموازنة العامة خلال الفترة 2005 – 2010 حيث قفزت من نحو 3 بلايين دينار لتتجاوز ما قيمته 6 بلايين دينار الآن.
النمو التصاعدي لحجم الموازنة يعبر عن خلل يعكس سياسات هدر مالي واتساع في الإنفاق لم ينعكس على مستوى الخدمات الحكومية خلال تلك الفترة، الأمر الذي يعكس عيوبا جوهرية في نوعية وكيفية الإنفاق.
تنامي الانفاق تبرره الحكومات عادة بتزايد النفقات الجارية وتحديدا الأجور التي تصل فاتورتها اليوم لحوالي 3 بلايين دينار سنويا، وهي قيمة ضخمة، لكن ما لم يفصح عنه المسؤولون أن النمو الكبير تسببت به رواتب العقود التي تتراوح قيمتها بين 500 و 700 مليون دينار سنويا.
وتعيينات العقود في القطاع العام ليست إلا تعبيرا عن غياب العدالة في المكتسبات، فمثلا تم تعيين 30 موظفا على العقود خلال العام الماضي براتب شهري للموظف الواحد لا يقل عن 3000 دينار شهريا.
سياسات التعيين في الماضي ارتكزت على معايير الوساطة وخلقت نوعين من موظفي القطاع العام، حيث يوجد اليوم في الحكومة موظف "سوبر" يتقاضى راتبا بآلاف الدنانير وشريحة أخرى هم "فقراء" القطاع العام الذين لا يتجاوز الراتب الشهري للواحد منهم 300 دينار وهم الغالبية العظمى من حيث العدد.
أما الجريمة الأخرى التي ارتكبت في السياسات المالية فعنوانها الهدر المالي، والتي تتجاوز مسألة السيارات الفارهة والبنزين، لتصل إلى ضياع الأموال على الأبنية والمستلزمات والأدوية والمدارس والتي يقدرها بعض الخبراء بمعدلات لا تقل عن 20 % من قيمة الموازنة العامة أي بقيمة تفوق البليون دينار.
الأردن على عتبة مرحلة دقيقة ومفصلية نتفاءل مع بدايتها بحدوث إصلاح حقيقي يسهم بالتخفيف من المشاكل الجوهرية وتحديدا في الملف الاقتصادي، حيث لا يجوز القول إن حل المشاكل ممكن من دون تقليص حجم الموازنة العامة بحوالي السدس تقريبا.
شرط تقليص حجم الموازنة يرفضه البعض من حيث المبدأ، مبررين ذلك بأن ذلك مستحيل كون معظم قيمة الموازنة العامة هي نفقات جارية لا يمكن تخفيضها ومن الصعب التحكم بها أو اتخاذ أية قرارات بخصوصها لتأثيرها الاجتماعي الخطير.
لكن هذا الرأي لم يأخذ بعين الاعتبار إمكانيات ضبط النفقات من خلال القضاء على قنوات هدر مئات الملايين نتيجة أخطاء تراكمية لحكومات متعاقبة أدى تقاعسها وإهمالها إلى تضاعف حجم الموازنة لمستويات لا تتناسب وحجم الاقتصاد وموارد البلاد.
فتح ملف الإصلاح الحقيقي ومعالجة الاختلالات التي تعاني منها المالية العامة يتطلب إجراء مراجعة شاملة للعمل في جميع مراحله، وإعادة النظر في طرق بناء الموازنة، وتحديد المخصصات وبنود الإنفاق والتعيين بالعقود التي خلقت أجواء سلبية داخل القطاع العام نفسه نتيجة غياب العدالة.
ويبقى ملف المؤسسات المستقلة وإعادتها إلى الموازنة العامة بابا واسعا لضبط النفقات؛ حيث يسهم إعادة إلحاقها بالموازنة العامة بتقليص نفقاتها المقدرة بحوالي 1.9 بليون دينار نحو 500 مليون دينار.
والحل ليس سهلا أو هينا ومن هنا يبدأ الإصلاح الذي يتطلب قرارات شجاعة تصلح أخطاء الماضي وتسعى لتحقيق العدالة.
بقلم جمانة غنيمات.
المراجع
alghad.com
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة العلوم الاجتماعية الآداب