كان الروائي التركي أورهان باموك قبل إعلان فوزه بجائزة نوبل للآداب يعتبر الكاتب الأول في تركيا، فقد حققت رواياته أعلى أرقام في المبيعات في تركيا والمعارض العالمية للكتاب، وترجمت إلى عدة لغات من بينها العربية، وقد نال من قبل جوائز مهمة مثل جائزة السلام الألمانية وجائزة الدولة التركية للآداب والفنون.
ولد أورهان باموك في اسطنبول في 7 يونيو(حزيران) عام 1952 في عائلة ميسورة الحال، ومثقفة ثقافة فرنسية، ودرس الهندسة المعمارية والصحافة، وبدأ النشر الأدبي عام 1979، وأصدر منذ ذلك العام عدة روايات. وقد مر باموك بالخطوات والمراحل التي يمر بها المؤلفون في حياتهم الأدبية، فقد ظلت روايته "جودت بك وأولاده" عدة سنوات وهي مخطوطة لأنه لم يجد ناشرا يقبل بنشرها، وقد طبع منها عام 1982 ألف نسخة، ثم أصدر رواية "البيت الهادئ" وبيع منها ثمانية آلاف نسخة، وفي عام 1985 بيع من روايته "القلعة البيضاء" ألف نسخة، ثم صدرت روايته "الكتاب الأسود" وكان الصعود الكبير له مرافقا لصدور رواية "اسمي أحمر" وتجاوزت مبيعات روايته "الحياة الجديدة" المائة ألف نسخة.
ولقيت كتبه اهتماما غربيا وترجمت إلى عدة لغات، بسبب النهضة الإعلامية والثقافية والتحولات الكبرى التي شهدتها تركيا في السنوات الأخيرة، تقول مورين فيلي مترجمة رواية "ثلج" لقد شهدت تركيا تغيرات مذهلة في العقدين الأخيرين، وشهدت أيضا كثيرا من المعاناة والالتباس، وما يكتبه أورهان باموك يعكس الواقع المعيشي والجدل الداخلي الدائر في نفوس الناس، وهو يتمتع بأسلوب أدبي خاص يتحدى المنطق ويتفق مع الروح والنفسية التي يعيشها الأتراك على اختلاف أفكارهم ومواقفهم.
ويقول باموك إن رواية "ثلح" تستوعب التحولات السياسية التي تعيشها تركيا بعد عقدين من الهيمنة الماركسية على الطليعة التركية، وعندما حل الإسلاميون محلهم استعاروا كثيرا من مفردات خطابهم، وجمعت بينهم الروح الوطنية ومناهضة الغرب، وكانت فكرة المدينة المعزولة عن تركيا والتي تزيدها الثلوج عزلة، ويقع فيها انقلاب عسكري تعبيرا عن هذه التحولات والروح الجديدة في تركيا.
تتحدث رواية "اسمي أحمر" عن المواجهة بين الشرق والغرب في ظل الإمبراطورية العثمانية، وأما رواية "الكتاب الاسود" الرواية الأكثر رواجا له في تركيا فيصف فيها رجلا يبحث بلا هوادة عن امرأة طوال أسبوع في اسطنبول المكسوة بالثلج والوحول.
وفي رواية ثلج التي صدرت عام 2002 يطرح قضايا التعصب الديني والصراع بين النظام السياسي ممثلا بالجيش والاستخبارات وبين الجماعات الإسلامية، ويتهم باموك بجرأة الجيش والاستخبارات بافتعال الأحداث المنسوبة إلى الجماعات الإسلامية واختراق هذه الجماعات واستدراجها إلى العنف لتبرير أعمال القمع والاعتقال والتوتر.
عندما أصدرت الحكومة التركية فرماناً يحظر على الفتيات ارتداء الحجاب في المدارس، أشعلت جدلا وانقساما حادا في المجتمع والدولة بل وفي داخل الأسرة الواحدة، فقد كان المجتمع التركي والأسر والأفراد يطور حالة تعايش مع موجة التدين.
وكانت هذه الحالة مصدرا لرواية باموك "ثلج" فانطلق منها جاعلا روايته حول أسرة تتكون من أب يساري سابق، وابنتين إحداهما محجبة، والأخرى تكشف عن شعرها، وكانت زوجة لأحد القادة المحليين في حزب الرفاه، وهي أيضا صديقة وزميلة للشاعر كا الذي عاد إلى اسمبول بعد هجرة دامت اثني عشر عاما، وأوفدته الصحيفة التي يعمل فيها في اسطمبول إلى قارس لمتابعة قصة الفتيات المحجبات اللواتي ينتحرن.
في رواية ثلج ستجد أجمل من السياسة برغم الجدل السياسي الذي أثارته، تلك المشاهد المتشابكة والكثيرة جدا، عن الهوية والأفكار والتاريخ والذكريات والبؤس في مدينة قارس الجبلية الرابضة فوق قمة أناضولية تحت الثلج، والتي تبدو رغم صغرها متاهة عالمية ووطنية معقدة من العوالم والأفكار والأحداث، الطلاب المتشددون والمتطلعون إلى مثاليات أقرب إلى المستحيل، والفقراء، والأكراد المنشقون، وبقايا وشواهد التاريخ الأرمني في المدينة، الكاتدرائية المهجورة، وعيون الليل وزوار الفجر، والبيوت التي تتدفأ بكهرباء لا تطالها عدادات الفواتير، وأجهزة تلفاز مفتوحة طوال اليوم، ولكن بصوت مغلق.
الكتابة هي "عزاء الروح" أو هي الوجود، بالنسبة إلى الكاتب، هذه هي الطريقة التي يُعرّف فيها نفسه باموك في إيجاز شديد، حتى وإن كانت الكتابة نوعاً من التعبير عن الذات والحب.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد