في حال ظلت أسعار النفط تأخذ منحى تصاعديا وصولا إلى المستويات التي بلغتها في العام 2008، فإن التباطؤ سيطال اقتصاد الدول المتقدمة وقد تسوء السيناريوهات أكثر لتدخل تلك الدول في حالة ركود مجددا، الأمر الذي يزيد فرص حدوث ركود تضخمي.
وترسم منحنيات أسعار النفط التي ترتبط اليوم بالحراك السياسي في المنطقة صورة سوداوية لما يمكن أن تجره من تراجع على النمو الاقتصادي العالمي، ما يؤكد نظرية ان النفط العربي الذي استخدم مرة واحدة كوسيلة ضغط لعب دورا بارزا في تكريس حالات الركود العالمي.
هذا هو الحال في الدول الراسخة ديمقراطيا، فكيف الحال بدول المنطقة التي تسعى إلى الانتقال للحرية والناس مندفعون حيال ذلك من منطلق مطالب مكبوتة لعقود طويلة تسعى لزيادة معدلات المداخيل ووقف الهدر والفساد.
السيناريوهات المطروحة محليا والتفكير بالاستجابة لمطالب الشارع تعني أكثر من مسألة أولها تزايد عجز الموازنة وارتفاع معدلات التضخم وهو ما بدأنا نشهده بالفعل، حيث اختطت نسب التضخم نهجا تصاعديا خلال العام الحالي، ما يقود في نهاية الأمر إلى أزمة اقتصادية جديدة تختلف عن تلك التي تسببت بها الأزمة المالية العالمية في نهاية 2009.
ويلعب الحراك السياسي وحركة الاحتجاج المتواصلة منذ أشهر طويلة دورا كبيرا في تفاقم سوء الوضع الاقتصادي، ما يدفع إلى ضرورة التفكير في ماهية الأدوات المتاحة اليوم لمواجهة تبعات أزمة اقتصادية جديدة تطل برأسها ويدفعها الصبر الذي نفد لدى شرائح واسعة لم تعد تطيق الانتظار أكثر من اجل أن تشهد التغيير المنشود.
هذا الضغط يتطلب إعادة النظر في المعادلة التي تحكم العمل الاقتصادي محليا، إذ لم تعد الهبات والعطايا وفكرة الدولة الرعوية حلا مقنعا حيث تضم تحت عنوانها العريض شتى أشكال الفساد والهدر والتنصل من المسؤولية والمحاسبة بل تفتقر للشفافية في خطابها الموجه إلى العامة.
ويبدو أن محددات العلاقة الاقتصادية التي قامت بين المجتمع والدولة على مدى عقود طويلة لم تعد تنفع، وهذا يتطلب رؤية جديدة في التعامل مع مختلف المطالب بعيدا عن فكرة الدعم وشراء الولاءات التي لم تعد تكفي لضمان الاستقرار بعد أن اهتزت حلقة أساسية منه هي الأمن الاقتصادي.
وما يشكله الأمن الاقتصادي من أهمية في ضمان الاستقرار يحتاج إلى تحليل عميق وعلاقة جديدة تنظم العمل الاقتصادي بما يكفل العدالة وردم فجوة التنمية التي تنامت خلال العقود الماضية بين عمان والمحافظات لإقناع الجميع أن الإصلاح هو السبيل لحياة آمنة ورفاه ومستوى معيشي محترم.
وفي حال اتفقنا على أن العطب ألم بالمعادلة القائمة فان الحسبة الجديدة تتطلب ذكاء سياسيا يبحث في نقاط الضعف والقوة ويسوقها من اجل الخروج من المأزق الحالي الذي وصلنا إليه كنتيجة حتمية لما كان مطبقا.
المخاطر الكامنة خلف التحولات السياسية غير المستقرة في المرحلة الراهنة قد تقود إلى مستويات عالية من الاضطرابات الاجتماعية، والعنف المنظم، وتفاقم الاضطرابات الاقتصادية والسياسية.
وحساسية الوضع الإقليمي للمملكة تعد نقطة ضعف، لكنها في الوقت نفسه تمنح القوة، وحتى نضمن أن نحاصر التبعات القاسية للمرحلة الراهنة وآلامها، فلماذا لا نستثمر تلك النقطة؟.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة