في الظرف الذي مايزال متأثرا ومثقلا بعمليات تفجير الفنادق في عمان، وفي الوقت الذي تطرح فيه قضايا الحريات والتشريعات التي تمس حقوق المواطن وحرياته تأتي جريمة الاعتداء على السياح أمس لتضيف إلى حالة عدم الاستقرار والمضايقات التي يتعرض لها العرب والمسلمون في مصالحهم وسفرهم وإقامتهم وتعليمهم في جميع دول العالم مبررات جديدة، ولتقطع الطريق على كل محاولات الإصلاح السياسي والديمقراطي والانفتاح والاستقرار وجني المنافع والفرص الاقتصادية والاجتماعية والتقنية الممكنة من التحولات الاقتصادية والتحسن الاقتصادي والتداخلات الاقتصادية بين دول العالم.
لم يعد ممكنا الاكتفاء برد العمليات الإرهابية إلى التطرف والتكفير أو الاحتقان والحرمان وردود الأفعال المتشنجة والمتطرفة على الاعتداءات الأميركية والإسرائيلية في فلسطين والعراق ولبنان، فهي مقولات على صحتها لا تقدم تفسيرا مقنعا للعنف والإرهاب سواء في توقيته أو في مكانه، فالقبول بهذه المقولات يعني ببساطة أن هناك شخصا أو تنظيما متطرفا، يعتقد بكفر السياح وأنهم أعداء للإسلام والأمة الإسلامية، وأنه بقتلهم سينتقم للشهداء والأبرياء في فلسطين والعراق ولبنان والشيشان وأفغانستان وكشمير وبورما والفلبين، أو أنه أصيب بنوبة من التطرف، وهو يرى الاعتداءات، وتحرك على نحو لا شعوري أو فقد السيطرة على أعصابه، هذا السيناريو لا يمكن تصديقه أو القبول به، ويجب البحث عن دوافع ومصالح أخرى أكثر منطقية.
فمن المستفيد؟ ومن يريد أن يعامل العرب والمسلمون في كل مكان في العالم باحتقار وتشدد أمني مبالغ فيه؟ ومن يريد حالة عدم الاستقرار والفوضى في الأردن والدول العربية والإسلامية؟ ومن يستفيد من الإضرار بالمصالح الاقتصادية والأعمال في الأردن وبين الأردن ودول العالم؟
ثمة حالة غامضة ومريبة تسوق المجتمعات والدول إلى التوتر والتطرف، وكلما اقتربت الدول والمجتمعات من الاستقرار وإلى أن تفيق من كبوتها نفاجأ بعمليات مريبة لا يمكن حتى للأطفال أن يصدقوا أنها للدفاع عن المقدسات ولمحاربة الكفار أو لـ"تكون كلمة الله هي العليا" أو "أنها لتحرير أرض ورد محتل".
نحتاج لنفكر بمنهج جديد وأن نبحث عن رؤية جديدة لا أزعم أني أملكها، ولكن إدانة الإرهاب ومحاكمة القاتلين والإرهابيين لم يكن كافيا، وتشديد القوانين والتشريعات والإجراءات أضر بعموم الناس أكثر مما قلل من العمليات الإرهابية، ولنعترف أيضا أن الكتابات الصحافية والخطب والمواعظ المعتدلة وعمليات التعليم والإعلام لم تصل إلا إلى المعتدلين والرافضين للعنف والتطرف ابتداء، وظلت أفكار وعمليات وجماعات العنف والتطرف قادرة على العمل والتجنيد والتحرك.
ربما يكون من أسباب قصور حملاتنا الفكرية والإجرائية لمواجهة العنف والتطرف أنها لم تصل إلى المصادر الحقيقية للعنف والجريمة، ولا أريد أيضا أن أقول إن الحل في الحريات وإنهاء الاحتلال برغم أهميتهما وضرورتهما بحد ذاتهما أولا، ولنجاح كل عمليات التنمية والإصلاح وترسيخ الاعتدال ثانياً، ولكننا متفقون على أن ذلك لا يفسر العنف والإرهاب لأن الاحتلال موجود منذ عقود من الزمن، والاعتداءات والانتهاكات قائمة منذ أمد طويل، والعرب والمسلمون يناضلون منذ مائة سنة على الأقل لأجل التحرر والاستقلال والتنمية والإصلاح والتقدم والحريات، ولكن لم يحدث أن لجأت جماعات من الأمة لمعاقبة نفسها على هذا النحو، وأيا كان الأمر فإن الحلول والأفكار المبسطة والجاهزة لن تفيد في مكافحة التطرف والإرهاب وربما تخدمه، ولم يعد البحث عن الحقيقة ترفا أو مسألة تحتمل الانتظار.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد