هل كانت قنبلة ذكية تلك التي سقطت على الأطفال في قانا؟ نعم على الأغلب، وكانت بوعي مسبق وتخطيط لقتل الأطفال بذاتهم، ففي المواجهة مع المقاومة والإرادة يكون قتل الأطفال والمدنيين العزل ضربة موجعة لفرض الاستسلام والانسحاب، ماذا كانت القنابل النووية التي أسقطت على مدن آهلة بالسكان يعيش فيها مئات الآلاف؟ وربما يكون هذا من أهم مداخل التقدير بالانحسار الأميركي والإسرائيلي، فلن تستطيع دولة مهما بلغت قوتها أن تواصل هيمنتها بهذا القدر من الكراهية والوحشية. ولكن سيكون لهذه الحرب آثار سياسية إقليمية يجب ألا يشغل عنها الحديث عن المجازر والبطولات والصمود، فإن لبنان سيخرج على الأغلب من الحرب العربية واللبنانية الإسرائيلية، حتى حزب الله نفسه سيتغير من تلقاء نفسه، ويمضي في وجهة سياسية أخرى مختلفة عن السابق.
ثمة شعور لبناني بالمرارة سينعكس على السياسة والمزاج الشعبي والوطني، صحيح أن الغارة الإسرائيلية وحدت الموقف اللبناني، وعبرت عن تضامن كبير مع حزب الله، ولكن التضامن إياه والمشاعر إياها هي التي ستنقل اللبنانيين ومعهم حزب الله إلى حالة سياسية تبحث عن دور سياسي وشراكة في المنطقة بعيدا عن الحروب العربية والإسلامية والإقليمية، فليس هذا بمقدور اللبنانيين أولا، ولم يعد مع وضوح توجه الدول العربية والإقليمية إلى الانشغال بمصالحها والتراتيب التي تمنحها فرصا في الكعكة والمغانم أو تبعدها عن التهديد في الوقت الذي يتحمل لبنان وحده النتائج السياسية والتضحيات والآلام، أو كما يقول الشاعر:
وحين تكون كريهة أدعى إليها     وحين يحاس الحوس يدعى جندب
والحالة السياسية إياها تتكون أيضا في إسرائيل، فثمة شعور إسرائيلي متنام بأنها لم تكن حرب إسرائيل، ولكنها حرب الولايات المتحدة الأميركية، والشعور إياه يتكون لدى العرب أيضا فيعتقد أكثر من 80% ممن أجابوا على استطلاع إلكتروني للجزيرة نت بأن الحرب الدائرة هي تشنها إسرائيل بالوكالة عن الولايات المتحدة، وهي نتيجة تغير في الفكرة السائدة بالهيمنة الإسرائيلية واليهودية على الولايات المتحدة، وليس تبعية إسرائيل للولايات المتحدة وكونها دولة وظيفية لخدمة المصالح الأميركية.
سيحدث وقف لإطلاق النار وستنسحب إسرائيل، ويحدث تبادل للأسرى، ويطوى ملف الصراع العربي الإسرائيلي أو اللبناني الإسرائيلي إلى أمد بعيد لأن اللبنانيين والعرب سيشغلون بتراتيب سياسية وإقليمية وتنموية واقتصادية جديدة، والفلسطينيون أيضا بما فيهم حماس يتطلعون إلى مرحلة جديدة من السلام والبناء، وكانت المشكلة في هذا المشروع هي إسرائيل فقط، التي دفعت المنطقة إلى الحرب والأزمة، فهل ستبقى إسرائيل تفتعل الحروب والأزمات أم تنكفئ هي الأخرى وتبحث عن موقع مختلف في التراتيب الجديدة.
والولايات المتحدة نفسها تشهد حالة مراجعة وإعادة تكيف تبدو مختلفة عما يظهر على السطح اليوم، وفي كتابه "مجلس إدارة العالم" يعرض ديفيد روثكوف نتائج دراسات مسحية واستقصائية لاستكشاف أولويات الولايات المتحدة الأميركية القادمة بالنسبة لأقطار العالم، وكانت نتائج الدراسات أنه على مدى السنوات الخمس القادمة فإن الدول الخمس والعشرين ذات الأولوية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية تأتي في مقدمتها الصين، ثم روسيا، إيران، اليابان، وكانت إسرائيل في المتبة 16 من بين 25 دولة، وستتراجع أهميتها بعد ذلك إلى المرتبة 18، فالاهتمام الأميركي القادم سينصب على الصين وروسيا وإيران، وكلها دول ومناطق بعيدة عن الشرق الأوسط، وهذا ما يرجح انسحابها السياسي والتأثيري من المنطقة لصالح أوروبا، وهذا سيقلل كثيرا من أهمية إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة.
وبالطبع فإنها رؤية ليست حتى في نظر كاتبها صوابا ولا خطأ أيضا، فربما يختلط الصواب والخطأ، والواقع أن الحيرة والتداخل والنسبية هي السمة الأساسية اليوم للتفكير والسياسات الجديدة المتبعة والخاضعة للدراسة والتحليل سواء على مستويات الإدارة العالمية والاقتصادية والمحلية والتفكير الفردي المستقل، فالمشهد المتشكل يبدو منقطعا عن السابق على نحو يصعب التفكير به والتخطيط له بالمدخلات والأدوات التقليدية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد