إنها مصادفة بالتأكيد أن يصدر كتاب مؤخرا عن الحرب اللبنانية في هذا الوقت وبعد ستة عشر عاما على توقفها، ولكنها مصادفة تستحق أن يشار إليها، فقد شاء ألن مينارغ الصحفي الفرنسي الذي عمل مراسلا لإذاعة فرنسا في أثناء الحرب أن ينشر كتابا (أسرار حرب لبنان) عن الحرب بعد هذه المدة الطويلة.
بدأ بشير الجميل العمل للوصول إلى السلطة في لبنان بمساعدة مجموعة تحيط به من القادة والمستشارين، كانت تجتمع سرا وبأسماء مستعارة في دير سيدة البير الواقع على مرتفعات بلدة الزوق، وكان يقود هذا المجلس شارل مالك أستاذ الفلسفة ووزير الخارجية اللبناني وأحد المشاركين في صياغة ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، وكان يشكل مرجعية الجميل في الشؤون الدولية، وزاهي البستاني، المفوض العام في الأمن اللبناني، الذي أشرف على بناء الجهاز الاستخباري لميليشيات الكتائب، وسليم الجاهل، رئيس محكمة التمييز في بيروت، وأنطوان نجم، منظر أيدولوجي، وجوزيف أبو خليل، وجان نادر، وجورج فريحة الأستاذ بالجامعة الأمريكية في بيروت، ومجموعة من القادة العسكريين للكتائب المارونية مثل ميشال عون، وهو غير الجنرال ميشال عون الذي تولى منصب قائد الجيش ورئيس الدولة لبعض الوقت، وسمير جعجع، وإيلي حبيقة، وفادي أفرام، وفؤاد أبو ناصر، وبطرس خوند. وكان بعض أعضاء اللجنة يمضون أسابيع متواصلة يقيمون في عزلة تامة في الدير يعدون الدراسات والتقارير والأفكار، ثم عقدت اللجنة اجتماعها الرئيس في 27 أيلول(سبتمبر) 1980 لمناقشة التقارير والدراسات المعدة بخط اليد وبنسخة واحدة تلافيا للتسريب.
كان ثمة حاجة لمعونة دولية، وبالطبع فقد كانت إسرائيل هي المرشح المفضل لأنها كانت تشارك الكتائب الهدف نفسه في تلك المرحلة على الأقل، وهو تصفية المنظمات الفلسطينية في لبنان.
يعود أول اتصال حقيقي بين إسرائيل وبعض اللبنانيين، إلى الحرب الأهلية الأولى عام 1958 عندما طلب رئيس الجمهورية آنذاك كميل شمعون من جنرال الجيش الإسرائيلي إسحاق رابين، قائد الجبهة الشمالية لإسرائيل المساعدة، فزوده رابين بشاحنة محملة بخمسمائة بندقية هجومية، ولكن شمعون عزل من الرئاسة، ووضعت العلاقات مع تل أبيب على الرف.
ثم استعادت هذه الصلة بعض الحيوية ابتداء من أيلول(سبتمبر) 1975 بعد هجوم على قريتين في الجليل، نفذه فدائي فلسطيني، فتوجه جورج عدوان زعيم مجموعة التنظيم المسيحية القومية إلى سفارة إسرائيل في باريس والتقى بدافيد كمحي، وكان الهدف الأساسي من اللقاء التزود بالسلاح.
وفي 26 من ايار(مايو) 1982 إبان الاجتماع الأسبوعي للجبهة اللبنانية، استقر الرأي على ترشيح الجميل إلى سدة الرئاسة، ووافق المكتب السياسي على هذا الاختيار، وطلب بيار الجميل أن يكون هذا الاختيار بالإجماع وقوفا وبرفع اليد، فنفذ الجميع هذا بمن فيهم أمين الجميل الذي تخلى بذلك علنا عن نيته في ترشيح نفسه للرئاسة، وكلف جورج سعادة أمين السر العام بإعلام الإسرائيليين بذلك، مستفيدا من الظرف للطلب إليهم بالتدخل بهذا العرض عند الدول الأوروبية التي كانت تقاطع تقريبا قائد القوات اللبنانية. في هذا السياق أعلن أمام الموساد بأن بشير سوف يضطر ربما – حسب مشروع زاهي البستاني- لانتقاد الدولة العبرية، فكانت ردة فعل المخاطب الإسرائيلي حادة، وفي اليوم الثاني باشرت القوات الإسرائيلية قصف بيروت وبدأت عملية سلام الجليل.
بعد انقضاء عشرة أيام على بدء الغزو الإسرائيلي، وفي 16 حزيران(يونيو) 1982 عقد اجتماع سري في مقر السفير الأميركي، أثناءه أبلغ فيليب حبيب بشير الجميل قرار الولايات المتحدة بدعم ترشيحه لانتخابات الرئاسة، إلا أن المحيطين به كانوا يرون أن السبيل الدستوري ليس متناسبا مع الوضع، وبعد إجراء الانتخابات، وإعلان فوز المرشح الوحيد الذي نددت بانتخابه سورية بدأ بشير الجميل العمل على تشكيل الحكومة.
وفي الأول من ايلول (سبتمبر) 1982 التقى بشير مناحيم بيغن رئيس الوزراء الإسرائيلي، ونقلت مصادر إسرائيلية أن الرجلين بحثا مستقبل العلاقات اللبنانية- الإسرائيلية، وإمكان عقد معاهدة صلح كتلك المعقودة مع مصر. في 14 من أيلول 1982 اغتيل بشير الجميل، وكان اغتياله زلزالا حقيقيا بالنسبة إلى القوات اللبنانية، وانتخب أخوه أمين الجميل خلفا له.
ابتدأت حرب نفوذ صامتة، بلا رحمة، بين الرئيس أمين الجميل والقوات اللبنانية، ودخل في مفاوضات مع الإسرائيليين أدت إلى توقيع اتفاق 17 أيار عام 1983، وأقرت الحكومة الإسرائيلية هذه الاتفاقية كما صوت لصالحها أكثرية نواب البرلمان اللبناني، لكن أمين الجميل امتنع عن نشرها، ولم تنفذ قط، فسحبت إسرائيل قواتها فجأة من جبال الشوف متعمدة ترك الميليشيات المسيحية والدرزية وجها لوجه، ووقعت مجزرة، وأرهقت المعارك القوات اللبنانية، وتآكلت من الداخل بفعل التحاق جزء منها بأمين الجميل، وبدأت تفقد نفوذها شيئا فشيئا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد