نعم على الأغلب، فالمشهد الفلسطيني المتشكل بعد عملية غزة الأخيرة ثم الحرب بين إسرائيل وحزب الله يفتح المجال واسعا للتحليل والتفكير في أن حركة حماس متجهة إلى الانقسام، ليس بين الداخل والخارج كما يبدو للوهلة الأولى، وإن كان ثمة اختلاف في الرؤية والتقدير والظروف والحسابات بين الداخل والخارج، ولكن القابلية للقسمة هي بين قطاع غزة والضفة الغربية، وبتعبير أكثر دقة فإن الانقسام القادم سيكون واقعيا وعمليا في الداخل بين الضفة الغربية وغزة، وسيتبع ذلك انقسام في صفوف الحركة الإسلامية نفسها من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة.
الانقسام في الخارج لن يكون جغرافيا، لكنه سياسي بين اتجاه ينزع إلى التسوية ووقف العمل العسكري والاندماج في العملية السياسية القائمة وما تتيحه من خيارات سلمية وسياسية وواقعية وبين تيار آخر سيتجه إلى التنسيق مع سورية وإيران.
وتتحدث مصادر صحافية عن اختلاف داخلي كبير في حركة حماس حول مجموعة من المسائل، أهمها العمل العسكري والتعامل مع مشروعات التسوية السياسية، ففي الوقت الذي تنزع قيادة حماس في غزة إلى المشاركة في العملية السياسية وعلى أساس قواعدها المتاحة والممكنة فإن المكتب السياسي لحركة حماس والذي يتخذ من دمشق مقرا له، ويقيم علاقات واسعة مع إيران يبدو متجها إلى التصعيد السياسي، ويبدو أنه (المكتب السياسي) يدير العمل العسكري في فلسطين مباشرة دون علم أو علاقة لقيادة الداخل بذلك، وقد أدت عملية غزة الأخيرة إلى دفع الأمور بين المجموعتين إلى الافتراق، وهي كانت على أية حال طوال السنوات الماضية يغلب عليها الاختلاف الكبير.
وتذكر مصادر صحافية أن قيادة حماس في غزة تبذل جهودا واتصالات لوقف العمل العسكري وفصل قراره وعلاقاته عن دمشق، وربما تكون بعض المجموعات العسكرية قد استقلت بالفعل.
وبدأت تجري منذ أواخر العام 2005 تطورات سياسية إقليمية كبرى تشكل مشهدا جديدا مختلفا عما كان عليه الوضع من قبل، ويبدو أيضا أن إيران وسورية قد خرجتا من حصار وتهديد أحاطا بهما طوال سنوات عدة، بل إنهما يستعيدان زمام المبادرة وينشئان تحالفا إقليميا يضم حماس وحزب الله وقوى سياسية في العراق.
وبالنسبة لإسرائيل فإنها في حاجة إلى أن ترتب أوضاع حماس على النحو الذي يبعدها نهائيا عن المسرح السياسي أو يبعدها عن التأثير السوري الإيراني، وإذا كان خيار مواصلة العنف والقوة المفرطة لم يحقق هدفه في اقتلاع حماس، وبخاصة أن الولايات المتحدة تبدو متجهة للتهدئة والقبول بنتيجة الانتخابات الديمقراطية بل وفرضها في المنطقة بأسرها فإن الخيار الأكثر واقعية وجاذبية هو إبعاد حماس في الداخل عن قيادتها في الخارج والدخول معها في شراكة وتفاهمات مستقلة عن حسابات الخارج.
وبالنسبة لمصر التي تربطها بفلسطين وغزة روابط وثيقة من الجوار والتداخل، والتي ترعى منظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأتها، وتتطلع باستمرار لدور قيادي عربي تعتقد أنه من واجباتها المستقرة والراسخة فإنها بالتأكيد تنظر إلى استقطاب حركة حماس نحو المحور السوري الإيراني خطا أحمر لن تقبل به، وفي الوقت نفسه فإن علاقتها مع إسرائيل وسياستها في المنطقة والقائمة على التسوية السياسية والمعاهدة التي وقعتها مع إسرائيل، كل ذلك وغيره سيرجح أن مصر ستعمل بقوة على استقلال حماس في الداخل أو في غزة على الأقل عن المكتب السياسي في دمشق، وستشجع قيام حركة مستقلة في غزة، وربما تساعد حكومتها على الخروج من الحصار السياسي والمالي، وبالطبع فإن الخروج من الحصار المالي والسياسي بالنسبة لحماس الداخل يشكل أولوية كبرى تستحق لأجلها أن تستقل عن الخارج والمكتب السياسي في دمشق، وبخاصة أن هذا موقفها الأصلي، وأنه موقف يحظى بتأييد نسبة كبيرة من الإخوان المسلمين الفلسطينيين والعرب.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد