التصريحات والمبادرات العراقية بعد مقتل الزرقاوي تؤشر على تطلعات كبرى يصعب القول إن أبو مصعب كان عقبة أمام نجاحها، جواد البولاني وزير الداخلية العراقي يقول إن المجال أصبح مفتوحا بعد مقتل الزرقاوي لمصالحة جميع فئات المجتمع العراقي، والشهرستاني وزير النفط العراقي يقول إن النفط سيبدأ يتدفق بسهولة وسيزيد الإنتاج وستكون عمليات الصيانة أكثر فاعلية، وأخيرا فقد أطلق رئيس الوزراء العراقي مبادرة للمصالحة مع جميع الاتجاهات والتيارات بما فيها المقاومة العراقية، وهي مبادرة يتناقض معها الإعلان الجديد للمطلوبين إلى العراق ومن بينهم أشخاص -مثل زوجة الرئيس العراقي السابق وابنته المقيمتين في خارج العراق- لا يتصور أن لهم علاقة بما يحدث، ولا أن يؤدي اعتقالهم إلى وقف العنف، بل العكس فإن اعتقالهم سيثير احتقانا، ويدعو إلى مظنة دوافع الانتقام غير المبررة.
هل حدثت تحولات كبرى تدعو إلى هذا التفاؤل؟ وهل كان أبو مصعب الزرقاوي عائقا كبيرا أمام وقف العنف؟ وهل ستنتهي القاعدة في العراق بمقتل قائدها؟
يبدو مرجحا أن القاعدة مرشحة للانحسار، وأن عملية الاغتيال لم تكن عملية مواجهة معزولة ولكنها محصلة اختراق للقاعدة في قمتها سيؤدي إلى تفكيكها، وربما يكون ما قيل عن معلومات حصلت عليها الاستخبارات الأميركية في بيت أبو مصعب إثر الغارة التي أدت إلى مقتله ليس إلا غطاء للمعلومات والاختراقات التي أمكن الوصول إليها من التعاون مع بعض قادة الجماعة، وتصل الشكوك إلى المرشحين لخلافة الزرقاوي.
ومن الطبيعي في مثل هذه الحالات أن تدور الشكوك داخل القاعدة، وقد تؤدي هذه الشكوك إلى حالة من التصفيات والانشقاقات الداخلية والريبة والهوس في الحذر والشك، وقيل أيضا إن الاتجاه لاختيار غير عراقي خليفة للزرقاوي لمظنة أن تكون المخابرات العراقية والأميركية قد اخترقت الأوساط العراقية في القاعدة.
وقد بدأت المشكلة في العراق تتحول من اعتداءات القاعدة والجماعات المسلحة المختلفة على المدنيين والأبرياء إلى العمليات المنظمة التي تقوم بها منظمات شيعية بعضها يعمل تحت غطاء قوى الأمن ووزارة الداخلية، والتي يذهب ضحيتها العشرات أسبوعيا في عمليات خطف وتعذيب واغتيال.
وقد اتهم قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال جورج كيسي إيران بأنها تقدم الدعم والتدريب لأعمال العنف في إيران، وقال كيسي، في مؤتمر صحفي عقده في واشنطن، إن وحدات"القدس" السرية الخاصة تدير من طهران عمليات بواسطة الميليشيات الشيعية في العراق التي تزوّدها بالأسلحة والعتاد ومعدات تصنيع القنابل، وقال إن نفوذ هذه المنظمات قد زاد مؤخرا.
والسياسات الأميركية تبدو متجهة إلى ترتيب نهائي في أفغانستان والعراق يتضمن قدرا من الاستقرار يقنع الناخب الأميركي في عام 2008 بأن مئات المليارات التي دفعت من الضرائب قد أدت إلى قيام أنظمة سياسية ديمقراطية وصديقة للولايات المتحدة، وأن الخسائر البشرية التي لم يعد الرأي العام الأميركي مقتنعا بجدواها تؤول إلى التوقف، أو توقفت.
وهذا يشجع على القول إن القاعدة ستتجه إلى الانحسار، وسيكون بمقدور الدول والعالم أيضا أن يساعد الجماعات الأصولية على الدخول في حوارات ومراجعات وإعادة تأهيل، كما حدث في الجزائر ومصر والسعودية واليمن، وقد ثبت بالفعل أن الإرادة السياسية في الاستيعاب والحوار إلى جانب المواجهة الأمنية والسياسية ستؤدي في النهاية إلى نهاية جماعات العنف وتحولها، وكانت المشكلة الرئيسة في مواجهة التطرف والعنف في غالب الأحيان أنه يتقاطع مع مصالح ومخططات كبرى ترعاها دول وحكومات لا ترى أهمية لاستقرار المجتمعات والشعوب ورضاها، فالأفكار والأيدولوجيات المتطرفة وحدها لا تنشئ العنف.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد