يعرض كتاب "تخيل التعايش معا" لقادة وخبراء في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية دراسات نظرية وتجارب عملية لمنظمات دولية وإقليمية ووطنية في إعادة بناء مجتمعات مزقتها الحروب والصراعات الإثنية، كيف يمكن للناس أن يبنوا السلام بعد نزاع عرقي عنيف؟ هذا السؤال بدا أكثر إلحاحا وأهمية بعد انهيار النظام السياسي العالمي وعدم نشوء نظام بديل، فقد أتاح ذلك المجال لزعماء طامحين وفاسدين يعتاشون على الريبة والخوف التلاعب بالأحقاد والخلافات العرقية والدينية، كما هو ملاحظ اليوم في شرق أوروبا وجنوب آسيا أفريقيا وأخيرا في العراق.
إن التحدي الصعب هو إعادة السلام لمجتمع يخوض حربا مع نفسه، وتبقى المصالحة تشكل فكرة تحمل معها المراوغة والإهانة بالنسبة لشعب مازال يعاني من صدمة مقتل أحبائه أو تعذيبهم أو اغتصابهم، فالتعايش يعني أكثر من العيش جنبا إلى جنب، ولكنه يتضمن درجة من التفاعل والتعاون عبر خطوط الانقسام العرقي، وقد تجعل بعض جهود المساعدة والإصلاح الأمور أكثر سوءا، فالمحاولات الخرقاء وغير الناضجة قد تسبب الأذى أكثر مما تسبب الخير، فهناك عوائق وتوجهات وعوامل مساعدة يجب إدراكها بعناية في بناء عمليات السلام والتعايش، مثل الفساد والمصالح، وأهمية الفنون والتعليم والتنمية الاقتصادية والمجتمعات المدنية والحكم المحلي ونزع السلاح، وللدين والثقافة والمعتقدات أيضا دورها في الصراع والمصالحة.
لقد أظهر مسح الصراعات والمشروعات التي أقيمت للتعامل معها صعوبات كامنة ليس من السهل إدراكها وتحليلها في عمليات تخفيف التشدد والأحقاد وتحسين العلاقات بين جماعات تورطت حديثا في النزاع العرقي، ومثل هذه المشاريع قد تذهب سدى إذا أهملت الأسباب الكامنة وراء النزاعات العرقية، ويجب أن تستهدف الجهود الواعدة والواقعية جذور المشكلات، مثل الأخطاء السياسية والتوزيع غير المنصف للموارد.
وبالطبع فإن الوقت عنصر أساسي في تطبيق التغيرات المطلوبة، فهو كفيل بشفاء الجروح الناتجة عن هذه المظالم، وتستطيع الجهود الموجهة من القمة إلى القاعدة تعزيز التعايش.
فما بين الحد الأقصى للنزاع المفتوح إلى الحد الآخر من الاندماج والتكامل طريق طويل ملتو يحتاج إلى استكشاف وتحليل، وقد يؤدي تجاوز بعض المراحل أو تجاهلها إلى تقليص فرص النجاح.
هناك النزاع والتعايش وبداية التعاون والاعتماد المتبادل والاندماج، ففي مرحلة النزاع يكون الشعار هو مقولة "العداء هو الخيار الوحيد" وتسود مشاعر الازدراء والحقد والغضب والزهو والريبة، وفي مرحلة التعايش يكون ثمة استعداد للعمل العدائي عند الحاجة لذلك، ويسود الحقد والغضب والريبة، وفي بداية التعاون تستمر العداوة والريبة ولكن ثمة استعدادا لتحييدها، ويكون العمل فيه كثير من الاضطراب والازدواجية، وفي مرحلة التعاون يتكون الوعي والإدراك لمخاطر العداوة وأضرارها، وتتشكل مشاعر حذرة للتراحم، وفي مرحلة الاعتماد المتبادل يسود الاعتقاد بحاجة الأطراف جميعها إلى بعضها البعض، وتقبل الماضي بثقة حذرة، وفي مرحلة الاندماج يتكون شعور في المجتمع بأنه يتكون من شعب واحد، وتسود مفاهيم التضامن والثقة والمودة.
ثمة خوف حضاري يفسر لماذا يتصرف الجيل الثاني من الناجين من الإبادة الجماعية وكأنهم قد شهدوا واقعيا تلك المذابح التي ارتكبت قبل أن يولدوا، وفي تجربة بناء التعايش بعد الصراع بين الهوتو والتوتسي في أفريقيا الوسطى ظهر دعم لوجهة النظر القائلة بأن بذل الجهود النظامية لمساعدة أناس أكثر خاصة الفقراء فقرا مدقعا وحل بعض مشكلاتهم بطريقة سلمية يمكن أن يساهم في إيجاد مناخ تخف فيه التوترات الاجتماعية، وتتعزز فيه الأنفس، ويتوقف العنف.
وتتنوع مصادر الكراهية، من الهيمنة السياسية والقمع والتباينات الاقتصادية بين المجموعات العرقية، والمبادئ الدينية والسياسية وانسيابها بين القمة والقاعدة أو عبر الروايات المتناقلة بين الأجيال، والعزلة الاجتماعية، وحتى عندما تبدأ سياسة التعايش بإزالة أول مجموعة من الحوافز التي تشجع على استمرار العنف ييقى هناك احتمال وارد باستمرار الكراهية والعداء.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد