لا تبدو الخيارات والمسارات المتوقعة والبديلة في مرحلة ما بعد النفط متقائلة على الأقل لدى ريتشارد هاينبرغ مؤلف كتاب غروب الطاقة، ويميل كثير من الناس إلى افتراض أن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لنضوب النفط ستكون أكثر ضررا وخطرا على الأميركيين من غيرهم على الأقل في المستقبل القريب، فقد ساعد النفط الولايات المتحدة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين على أن تكون أغنى وأقوى دولة في العالم.
وبعد حرب 1973 ثم سقوط نظام الشاه في إيران عام 1979 صاغ الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ما يعرف حتى اليوم بعقيدة كارتر، والتي تقول إن الولايات المتحدة الأميركية ستستعمل قوتها العسكرية للمحافظة على منفذ لها إلى احتياطات نفط الشرق الأوسط.
ولاشك أن التاريخ معقد، وقد لا يصح أن ننسب كوارث الولايات المتحدة الاقتصادية والجيوسياسية إلى نضوب النفط، ولكن من الواضح أن التاريخ الأميركي الحديث قد اتسم بالاعتماد المتزايد على الطاقة والتدني المتواصل للقدرة على سد الديون، فالآثار الاقتصادية والجيوسياسية لنضوب النفط ليست آثارا افتراضية، بل هي تاريخ مدون مسطور.
وتسلط وثيقة أخرجتها السي آي إيه مؤخرا إلى العلن الضوء على بعض أهم الأحداث الجيوسياسية في الربع الأخير من القرن الماضي، وكانت هذه الوثيقة وعنوانها:"أزمة النفط الوشيكة" قد صدرت في آذار/ مارس عام 1977 قد توقعت قرب بلوغ النفط في الاتحاد السوفييتي أوجه في زمن أقصاه أوائل الثمانينيات، ويخلص واضعو الدراسة إلى القول إنه خلال العقد القادم يحتمل أن يجد الاتحاد السوفييتي نفسه ليس فقط عاجزا عن إمداد أوروبا الشرقية والغرب بالبترول والغاز بالمعدل الحالي، بل مضطرا إلى التنافس للحصول على نفط أوبك لاستعماله الخاص.
ولكن يبدو أن الإدارة الأميركية استخدمت تلك المعلومات للضغط على الاتحاد السوفييتي ودفعه إلى الإفلاس، مثل إغراق السوق بالنفط الرخيص، وإشعال الحروب في مناطق نفوذه. من الإجابات الممكنة على سؤال كيف ستكون استجابة العالم لنضوب موارد الطاقة في العقود المقبلة احتدام الصراع والتنافس على ما تبقى من موارد، فالمفهوم القائل بأن ندرة الموارد تؤدي في الغالب إلى احتدام التنافس له أساس راسخ، وعليه الكثير من الشواهد الموثقة.
وتمثل حالة العراق اليوم نموذجا للتحليل في هذا الاتجاه، فالعراق هو الرابط الذي تلتقي عنده أنواع مختلف من النزاعات، بين الأمم المستهلكة (مثل فرنسا والولايات المتحدة الأميركية) وبين الأمم الصناعية الغربية والمجموعات الإرهابية (التي لم تكن في العراق من قبل، لكنها تلعب الآن دورا متعاظما في المنطقة) وفيما بين الفرقاء العراقيين أنفسهم(الشيعة والسنة والكرد) وكذلك بين أمة مستهلكة قوية وأمة منتجة أضعف منها ومزعجة لها.
وبما أن موراد الطاقة تصبح أكثر ندرة مع الوقت يبدو من المحتمل أن ينشب صراع في المستقبل بين الولايات المتحدة وأمم الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب أميركا، ويحق حتى لكندا أن تشعر بالقلق من الغزو لأن التنافس يحتدم على موارد الغاز الطبيعي المتضائلة في شمال أميركا.
وعندما يحصل شح في الموارد يصبح الصراع فيما بين المستهلكين أكثر احتمالا، والصين اليوم هي ثاني أكبر مستورد للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، وسيأتي وقت تكون كمية النفط فيه غير كافية لتلبية طلب الأمتين معا، وسيكون الصراع بينهما محتملا.
وإذا كانت البشرية تريد أن تتجنب الصراع الذي لا يرحم على موارد الطاقة المتضائلة فسيحتاج الأمر الى بذل جهود متسقة لوقف النمو الاقتصادي لصالح التحول إلى موارد الطاقة البديلة، ويتعين على جميع الأمم الحد من استهلاك الطاقة.
يشير ريتشارد ويلكنسون في كتابه"الفقر والتقدم" إلى أن الظروف الاجتماعية والبيئية المستقرة تميل إلى إنتاج مجتمعات بشرية ذات كبح ذاتي، بينما تجلعها الديناميكية غير المستقرة للتجارة الصناعية العالمية تتخلى عن سلوكيات ثقافة الكبح الذاتي التي لديها، وهذه ليست معلومات مطمئنة، فيتعين علينا أن نغير كثيرا في سلوكنا ونمط حياتنا وتفكيرنا، وأن نفعل ذلك بسرعة، وهذا أمر شاق وباهظ التكاليف بكل المقاييس.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد