عندما كتب المقريزي كتابه المشهور بالخطط المقريزية "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" قدم إدراكا مجتمعيا وفرديا لمتطلبات المدن وتخطيطها قبل تسعمائة سنة مازالت مؤسسات تنظيم المجتمعات وإدارة المدن والمصالح تحتاج إليه.
فقد عرض الخريطة الاجتماعية والعمرانية لمدينة القاهرة، من الطرق والحارات والقلاع والمساجد والكنائس والدواوين والحمامات والخانات والأسواق والزوايا والمدارس والقناطر والجسور والبرك والبساتين والميادين والآبار، وأهلها وطوائفهم وحرفهم ومهنهم وأحوالهم وأخبارهم وقادتهم.
ومما تحدث عنه المقريزي في وصف كتابه المكون من ثلاثة مجلدات "وأذكر ما بمدينة القاهرة من الخطط والأصقاع، وإني لأرجو أن يحظى عند الملوك، ولا ينبو عنه طباع العامي، ويجله العالم المنتهي، ويعجب به الطالب المبتدي وترضاه خلائق العابد الناسك، وتكون منفعته في أن يشرف المرء في زمن قصير على ما كان في أرض مصر من الحوادث والتغييرات في الأزمنة المتطاولة والأعوام الكثيرة، فتتهذب بتدبر ذلك نفسه وترتاض أخلاقه، فيحب الخير ويفعله، ويكره الشر ويتجنبه".
كانت دعوة جلالة الملك قبل أيام قليلة لتخطيط العاصمة فرصة للحديث عن شجون هذه المدينة التي يبدو أنها بحاجة لتخطيط اجتماعي وثقافي، وأن يكون تخطيطها الهندسي منسجما مع متطلبات البيئة والطبيعة ووضعها الجغرافي، والأهم من ذلك كله الاحتياجات الحقيقية والتفصيلية لراحة السكان، وليس لمتطلبات العربات والشاحنات فقط.
فما زالت عمان بعيدة عن كونها كيانا اجتماعيا وثقافيا ينتمي إليه سكانها، وما زال جزء كبير ممن يقيم فيها يشارك في الانتخابات النيابية والبلدية في أماكن أخرى بعيدة، ومازالت تدار ويخطط لها بالرغم من كل الموازنات والقرارات والضرائب التي تجبى والانتخابات النيابية والبلدية والمهنية والعمالية التي تجرى فيها منذ عشرات السنين على طريقة لا ترى في المواطنة ضرورة المشاركة، وإنما التفويض القائم على مفهوم المواطن باعتباره زبونا ينتخب مقابل خدمات معينة يتنافس المرشحون في تقديمها، أو يقررها له موظفون معينون.
هل كان تدمير الغابات والحدائق والمصادر المائية والأودية والمسارات الطبيعية لمياه الأمطار ومناطحة الطبيعة والبيئة والجغراقيا قدرا حتميا لتخطيط العاصمة؟ وهل كان تدفق مخرجات الصرف الصحي إلى "النهر" خيارا وحيدا أيضا؟ وما المانع من أن تستخدم مياه الصرف الصحي لزراعة الغابات والأشجار الحرجية والمراعي؟ وهل كان يمكن دفع الأحياء والمساكن وحركة العمران بعيدا عن الحقول والبساتين والينابيع والاودية ومصادر المياه؟ ولماذا لا يستفاد من مياه الأمطار في تقليل الهدر والأزمة المائية الخانقة؟
هل يدرك منظمو الشوارع والطرق والأحياء أنها مصممة أصلا لتعيش فيها الأسر والمجتمعات، ويسير فيها الناس رجالا ونساء وأطفالا وذوو احتياجات خاصة ومجموعات؟ وهل يجب أن يكون لعب الأطفال مشروعا شبه مستحيل يحتاج إلى حركة وانتقال عائلي بالسيارات إلى أماكن بعيدة وغير ملائمة؟
ثمة اختيار واع ومسبق لكنه غير مستمد من حراك المدن وتصميمها جعل العاصمة تنقل إليها احتياجاتها الغذائية والتموينية من مسافات بعيدة في الريف أو البادية التي استزرعت قسراً غير ما يلائم بيئتها، وجفف النهر، وتحول إلى مسار للمجاري يدمر كل ما في طريقه ويفسده ويجعله غير صالح للغذاء والحياة، وجعل مواطنيها خليطا متنافرا غير منسجم من السكان الأصليين والوافدين والمهاجرين والمغتربين في الخليج والأغنياء والمسؤولين والأثرياء الجدد الذين هبطت عليهم الثروة بسبب بيع الاراضي التي تضاعفت أثمانها، كيف ستنتخب هذه المجتمعات نوابها وممثليها في الأمانة؟ وكيف ستصوغ هوية المجتمع والدولة وثقافتها؟ وكيف ستدير احتياجات المدينة والأحياء من التعليم والانتماء والمشاركة والتضامن والجوار والمصالح والأعمال والمهن؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد