قدسية الموازنة

ثمة مادة ملعونة في قانون الموازنة العامة تتيح لوزير المالية صلاحيات تسمح له بنقل مخصصات مالية ضمن بنود الفصل الواحد دون الرجوع لمجلس الوزراء.

 

وبموجب هذه المادة يتم نسف قانون الموازنة وانتهاك حرمته كونها "تحلل" للوزير أن ينقل مخصصات من بند لآخر بناء على رؤيته الشخصية، الأمر الذي يساهم بإخفاء الحجم الحقيقي للإنفاق المالي، حيث تتم المناقلات بين بنود الفصل الواحد كأن تتم بين بنود النفقات الجارية أو الرأسمالية.

 

خطورة هذه المادة أنها تشوه الحساب الختامي للموازنة العامة وتخفي خلفها حجم الإنفاق الحقيقي، كون المناقلات التي يتيحها القانون تسهم بخلق حجم إنفاق نهائي يوازي حجم الإنفاق المقدر في مشروع القانون وإن لم يكن الواقع كذلك.

 

المنطق يوجب أن يعبر الحساب الختامي عن الواقع بحيث يكون مطابقا ليس فقط للمبالغ المرصودة بل أيضا يكشف ما نقل لها من أموال كانت مخصصة لبنود أخرى.

 

ولشرح المسألة نفترض أن ثمة بندين في النفقات الجارية، الأول بمبلغ 100 مليون دينار لم تتوفر وآخر بقيمة 200 مليون دينار لم يتم إنفاقها بالكامل، هنا يتم التلاعب؛ حيث تنقل الأموال من المشروع الثاني إلى الأول، ويظهر في النهاية أن المشروع الأول انفق 100 مليون والثاني لم ينفق ما خصص له، ما يعني أن الإنفاق الفعلي مطابق تماما للتقديرات.

 

وحل المشكلة والخروج من المأزق الاقتصادي يتطلب الكشف عن الحجم الحقيقي للإنفاق، خصوصا وان أصل المشكلة لدينا ما يزال قائما، وهي بصراحة تلفيق لا يعكس الواقع الحقيقي للمالية العامة.

 

الأسئلة المطروحة اليوم، ماذا كنا سنفعل لو لم تأت هذه المساعدات؟، وهل هناك ضمانات لاستمرار تدفق المساعدات؟، وماذا سنفعل حيال مشكلة الاقتصاد ما قبل انقطاع الغاز المصري؟
 هذه الأسئلة برسم الإجابة من الحكومة التي لم يبادر فريقها الاقتصادي حتى اللحظة بالحديث صراحة حول وضع المالية العامة التي تعد بامتياز مرآة للوضع الاقتصادي للبلد كاملة.

 

وكيف سيكون الحال في ظل معدلات النمو المتواضع وتراجع إيرادات السياحة وحوالات العاملين وتدني الاستثمار الأجنبي المباشر عدا عن تفاقم عجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات؟.

 

وسنبقى ندور في دائرة مغلقة من مشاكلنا طالما بقينا نعمل بشكل غير شفاف وغير صريح يشخص المشكلة، وفي حال لم تتم مراجعة الحساب الجاري بحيث يتماشى مع المعطيات التي تتم على ارض الواقع والتي تحدد أوجه الإنفاق من دون التفاف ومواربة فإن المشكلة ستتسع بالتأكيد.

 

ووضع حل جذري للمشكلة، يتطلب إلغاء هذه المادة لتكريس قدسية قانون الموازنة وعدم التلاعب به وتطبيق هذا المبدأ بحرفية عالية دون ترك الباب مفتوحا لبعض الممارسات التي تؤدي في نهاية المطاف إلى خلخلة قواعد الاستقرار النقدي وتخلق موازنات مشوهة وغير مطابقة للواقع.

 

المساعدات السعودية جاءت وتسلمتها وزارة المالية، وستنفق بطريقة أو بأخرى لتخدر بعض وجعنا الاقتصادي بيد أن المشكلة لم تنته بعد والأسباب الجذرية للازمة والصداع الاقتصادي ما تزال قائمة.

 

في الولايات المتحدة أنموذج يحتذى فرغم المد والجزر بين الديمقراطيين والجمهوريين والجدل الطويل، إلا أن القرار الذي اتخذ في نهاية المطاف صب في صالح البلد واتخذ قرارات صعبة تقدم حلول مدروسة للأزمة منها رفع سقف الدين 2100 مليار دينار وتخفيض حجم الموازنة في ذات الوقت بمقدار 1000 مليار.

 

لكن ما يحدث لدينا مختلف كليا، وما يزال يعبر عن حلول تخديرية تبتعد عن الحلول الجذرية وتنأى بنفسها عن المصارحة والمكاشفة التي تقول الحقيقة ولا شيء غيرها.

 

بقلم جمانة غنيمات.


المراجع

alghad.com

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة   العلوم الاجتماعية   الآداب