قد تكون نظرة سريعة إلى السوبر ماركت مدخلا لفهم حجم التغيرات الجارية اليوم وعمقها، فأنت تجد فواكه وأطعمة وملابس ومنتوجات وأجهزة وأدوات من جميع أنحاء العالم، ومن دول لا تكاد تخطر لك على بال، ولا تقتصر على الدول المشهورة والمعروفة بمنتجاتها، وهذا التنوع الضخم يشير إلى الشبكية المعقدة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والاعتماد المتبادل أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البشرية والتي تربط الشعوب والبلدان وما يصحبها من تغيرات في الموارد والقوة والتأثير.
وتزايد هذا التداخل تعقيدا بفعل شبكات الاتصال والإعلام وتقانة المعلومات على نحو جعل العولمة ظاهرة اجتماعية بالغة الاتساع والتأثير، بل وتحولت الظاهرة نفسها إلى ظاهرة محلية تؤثر في حياتنا اليومية.
إذا كنا نتحدث عن عالم تعتمد نسبة كبيرة من خدماته وأعماله على المعرفة والاتصالات والإنترنت فإلى أين سيؤدي ذلك؟
يتجمع في الشبكة آلاف الملايين من الشركات والأفراد يتبادلون المعرفة والخدمات والسلع، ونشأت شركات عملاقة لتقديم الخدمات عبر الشبكة مثل ياهو وغوغل وأمازون، كما نشأت قواعد وأدوات جديدة للتأثير والمعرفة، لخدمة القضايا السياسية والبيئية والتسويق، والعلاقات التجارية، والعمل المهني المشترك في كل المجالات.
وأتاحت هذه الشبكية المجال لتطبيقات جديدة متخصصة لإدارة وتنظيم عمليات عالمية تجارية وثقافية ومهنية وتعليمية بتكاليف قليلة، وجعلت العالمية في العمل والعلاقات عملية يمكن أن تكون فردية أو تقوم عليها شركات صغيرة، ولم تعد حكرا على الدول والشركات العملاقة، فالعمل الدولي أو متعدد الجنسيات لم يعد يعني بالضرورة استثمارات هائلة، ولكنه قد يشمل مكاتب تجارية ومهنية فردية ومؤسسية صغيرة أيضا مثل البرمجة والمحاسبة والاستشارات الخدمات الإعلامية والإعلانية وتصميم البيوت والعمائر وشبكات التدفئة والتبريد.
أنظمة العمل هذه حولت الإنترنت من مستودع عملاق بلا حدود إلى ساحات وورش ومكاتب عمل، تقدم صورة بالأشعة السينية لمريض في بوركينا فاسو لطبيب يعمل في مستشفى أرافيند الهندي، وتنظم عمليات للتسويق والشحن والتحكم والاتصال والخدمات والتحويلات المالية.
ومحركات البحث تقدم خدمات استرجاعية بلا حدود لعدد هائل من الأغراض والأهداف في البحث العلمي والصيانة والتسويق والاتصال والرسائل التجارية والإدارية والعقود والطلبيات المختلفة والمواصفات، هذه المصادر المفتوحة تتلقى وتعطي في كل لحظة من الخدمات والمعطيات والمعلومات على نحو لا أستطيع اليوم وصف تداعياته ومتوالية تطبيقاته وامتدادها في نسيج الفرص والحياة، ولكنا نحتاج جميعا مفكرين وباحثين ومهنيين متخصصين وأفرادا عاديين أن نطلق العنان لخيالنا وأفكارنا لنحيط بالحياة والعالم والفرص والأعمال في المستقبل القريب والبعيد.
تستطيع أن تبني مجانا مجموعة عملاقة من الكتب والدراسات والتقارير والبرامج والموسيقى واللوحات الفنية والصور والمخططات والكاتلوجات لجميع الأغراض والاهداف العلمية والعامة والتجارية، إن مكتبة تضم ملايين المصادر لم تعد مشروعا هائلا تقوم عليه دول غنية ومتقدمة، ولكن يستطيع شاب نشط إنشاء مثل هذه المكتبة بإمكانيات فردية محدودة لا تتجاوز جهاز حاسوب مرتبطا بشبكة الإنترنت، وكذلك الأمر بالنسبة للتعليم والتدريب والتطوير المهني في كل المجالات والتخصصات.
وقد أمكن لشركة ITC في الهند تقديم خدمات في جميع أنحاء الهند للمزارعين لمعرفة الأسعار بواسطة الإنترنت، وهي بذلك حصلت على أرباح كبيرة وفي الوقت نفسه فقد ساعدت المزارعين في الهند على التخلص من استغلال الوسطاء والاستغفال والابتزاز الذي كانوا يخضعون له بسبب عدم قدرتهم على الإحاطة بالخيارات الممكنة لهم لتسويق منتجاتهم.
ومن شأن التوسع في العمل التجاري والمعرفي بين الفقراء تحقيق تحولات اجتماعية وثقافية بينهم تخلصهم من الضعف، وتنمي الانتماء والمشاركة، والإحاطة بخيارات عدة لإسماع أصواتهم وللحصول على خدمات أفضل وتسويق خدماتهم ومنتجاتهم، وتتقدم بهم هذه الحالة إلى مستويات اجتماعية وديمقراطية تعزز الحكم الرشيد والجودة في الإدارة والخدمة، وترتقي أيضا بمستوى أعمالهم وسلعهم، وتطور حالة التنافس في الأسواق والأعمال، وهي حالة اجتماعية واقتصادية سرعان ما تنعكس اقتصاديا ومعيشيا وإنتاجيا على الأفراد والمجتمعات.
ويمكن الحصول على استشارات ومراجعات ومراقبة فنية اليوم في الزراعة والإنتاج والطب والصناعة والإدارة بلا حواجز ولا اعتبار للمسافات وبتكلفة قليلة، وأمكن مشاركة فئات كثيرة في العملية الاقتصادية والإنتاجية كالنساء والعائلات وسكان المناطق البعيدة والمعزولة وكبار السن وذوي التحديات الحركية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد