باتت "الليبرالية تهمة ووجب إقالة كل من يؤمن بها"، بحسب ما يعتقد رئيس الوزراء معروف البخيت.
ومن هذا المنطلق فإن عليه إقالة فريقه الاقتصادي الذي يضم وزير التخطيط والتعاون الدولي، ووزير المالية والصناعة والتجارة والنقل، كونهم ليبراليين!.
ولدى البخيت أدلة عاشها بالتجربة، تؤكد أن بين فريقه "ليبراليين"، وذلك حينما ضغط فريقه الاقتصادي قبل عدة أشهر باتجاه زيادة أسعار المشتقات النفطية بدواعي التشوه الذي تلحقه بالموازنة، ونجم عن ذلك الضغط صراع طويل بين فريقي الحكومة السياسي والاقتصادي. المفارقة الأهم، أن على الرئيس الذي تمت أكبر عمليات الخصخصة في عمر حكومته الأولى أن يعترف بأنه هو الآخر "ليبرالي"، ما يوجب عليه الاعتذار عن موقعه بعد أن يقدم للشعب الأردني تبريرات "للخطايا الليبرالية" التي ارتكبها منذ دخل معترك الحياة السياسية في العام 2007.
ومن الضروري التذكير بأن النهج الاقتصادي في البلد ومنذ سنوات طويلة يقوم على مبدأ تحرير الاقتصاد، المنطلق من الليبرالية التي طبقها جميع رؤساء الحكومات وأخلصوا لها منذ سنوات طويلة، فما باله اليوم يعتبرها تهمة وجريمة ترتكب بحق البلد! وإن افترضنا أن الرئيس راجع حساباته، وقرر بدون أن يسأل أحدا أن ينقلب على النهج الاقتصادي القائم، فإن عليه أن يقدم لنا نظريته الاقتصادية التي بات يؤمن بها بعد أن بيعت أهم الشركات الأردنية.
الحكومات المتعاقبة ومنذ سنوات كانت جزءا أصيلا في المشهد المحلي الاقتصادي الآخذ بالتراجع نتيجة السياسات الحكومية التي أفقرت الناس وباعت مقدرات الوطن، وساهمت بشكل كبير في زيادة معدلات الفقر والبطالة. وتركة البخيت التي يحملها من حكومته الأولى في العام 2007، تجعل الشكوك تتكاثر حول جدية الرئيس في تطبيق رؤية إصلاحية سياسية واقتصادية تساعده على التخلص من إرثه الذي ما يزال يلاحقه منذ حكومته الأولى.
والصراع بين مراكز القوى، الذي أضعف الحكومات على مدى سنوات طويلة، تعددت أطرافه بحسب الخلاف، لكن النتيجة الوحيدة التي يمكن التوصل لها أن آليات اختيار المسؤولين وجب تغييرها ولم تعد تصلح للاستخدام.
البرنامج الاقتصادي الحكومي غير واضح المعالم والأهداف حتى اليوم طالما أن عمليات هدر المال العام تمضي بدون رادع، ومحاسبة الفاسدين الكبار لم تتم كما يشتهي المجتمع، الذي أدرك أخيرا أن مصدر تعبه الاقتصادي ومعاناته هو الفساد.
وما يزال التخبط سيد الموقف في المشهد الاقتصادي الذي عقّده الأداء الرسمي أكثر، إذ تجد أعضاء الفريق الاقتصادي منشغلين بقضايا فرعية وينأون بأنفسهم عن المعضلات الحقيقية التي تهدد الاقتصاد، فيما التركيز على حملة العلاقات العامة على أشده بدون وضع أهداف واضحة تساعد على الخروج من المأزق.
مشكلة الحكومة ليست في الرئيس وحده بل في الفريق الاقتصادي أيضا، الذي أخفق حتى اليوم ونتيجة الخلافات الواقعة بين أعضائه في وضع برنامج وطني للإصلاح الاقتصادي، بعيدا عن الشعارات الفضفاضة اللاهثة وراء الشعبية. ما أراه أن البخيت وفريقه سيرحلون وسيتركون حملا اقتصاديا كبيرا سترثه الحكومات المقبلة وتسدده الأجيال القادمة، والكلام هنا لا يقتصر على عجز الموازنة والدين، بل أهم من ذلك استمرار ترحيل المشاكل والتنصل من المسؤوليات. مشكلة المجتمع ليست في التسميات، ليبرالي أم محافظ، بل في السياسات المطبقة وتأثيرها على حياة الناس، فالأردنيون عايشوا حكومات كثيرة منها الليبرالي ومنها المحافظ، ولم يكن أداء الأخيرة أفضل من الأولى، فأين المشكلة؟
ويمكن القول إن كثيرا من أبناء هذا الوطن لا يدرون شيئا عن هذه التصنيفات التي وضعتها صالونات النخب، وكل ما يهمهم هو لقمة العيش الكريمة والكرامة، فهل من حكومة قادرة على الوفاء بهذه الاحتياجات؟.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة