الظاهر أن مطبخ القرار لم يتخذ بعد قرارا حيال مصير حكومة معروف البخيت، وما تزال المقارنة بين كلف بقاء الحكومة ورحيلها بالميزان، ولم يتم حسم أمرها بعد.
فتأخر قرار التغيير يرتبط باختيار الشخصية التي ستتولى الأمر في المرحلة المقبلة، والتي تعد بامتياز الأهم في تاريخ البلد.
المشكلة الأهم أن الخيارات المتاحة لتولي ملف الإصلاح محدودة، الأمر الذي يعقد مسألة رحيل الحكومة. ولكن تأخر القرار لا يعني أن الحكومة في مأمن، وأن رحيلها عصي، فكل الأزمات المتتالية التي ولدت في عهد الحكومة، تضغط بجعل القرار في هذا الاتجاه، إلا إذا توفرت معطيات مختلفة عن تلك التي يعلمها الشارع.
والظروف الداخلية مدعاة لتغيير هيكلي شامل، إذ دخلت حكومة البخيت سلسلة متعاقبة من الأزمات، وما إن تخمد واحدة حتى تشتعل أخرى، وكأن قدر الرئيس وحكومته أن يظل معلقا بالمشاكل منذ اليوم الأول للتشكيل والتي بدأت برفض الإسلاميين المشاركة في حكومته، وصولا إلى أزمة البلديات التي صارت اليوم ملفا سياسيا بامتياز.
وليس النواب أفضل حالا، فأداء النواب ما فتئ يقلق الناس ويغضب القواعد الانتخابية التي لم ولن ترضى عن المجلس، الذي تكاثرت أخطاؤه ووقع في أكثر من مشكل، ما يؤكد عدم جديته في القبض على ملف الإصلاح، وتحديدا في ملف الكازينو، والتعديلات الدستورية.
ومجلس الأعيان الذي يفترض أن يكون عونا وأداة لامتصاص حالة عدم الرضا، للأسف، قدم أداء فاقم الأزمة بعد المادة 23 من قانون محاربة الفساد، الأمر الذي أفقدهم ميزة نسبية طالما ساعدتهم على الاقتراب من الناس وتقريب وجهات النظر.
الجواب عن سؤال ما تقتضيه المصلحة وماهية الخطوات المطلوبة لدفع مسيرة الإصلاح، يتمثل برحيل الحكومة ومجلس الأمة، وينسحب ذلك على مختلف المؤسسات ومراكز صنع القرار شريطة أن لا يقتصر التغيير على الأشخاص، بل على العقليات المسيطرة على اتخاذ القرار، والتي أوقعت البلد في مأزق كبير لم يبدأ بواقعة دوار الداخلية، ولن ينتهي بحالة الهيجان الشعبي التي ولدها قانون البلديات.
بحسبة بسيطة، يظهر أن المعطيات اليوم على الساحة المحلية لا تناسب استحقاق الإصلاح، فالحكومة غير قادرة على حمل المرحلة، وتركتها لا تؤهلها لإجراء الانتخابات حتى لو كانت نزيهة مئة بالمئة، خصوصا وأن نزاهة العملية لن تجدي في ظل مقاطعة الإسلاميين ورفضهم الدخول في أي عملية إصلاحية مشتركة مع حكومة البخيت، ما يعني أن كل خطوة لن تحقق الغاية منها، بل ستعمق سوء الحال أكثر.
القنوات بين مطبخ القرار والشارع تتمثل بالجهات السابقة، وبقاؤها بدون تغيير سيضر بلا شك بالدولة، والمستفيد الوحيد من بقائهم هم وحدهم وليس الدولة والبلد التي ينتظر أهلها الإصلاح، كون الأدوات القائمة غير مؤهلة لتطبيقه.
بحسبة بسيطة، المصلحة تقتضي التغيير وإعادة هيكلة مختلف السلطات. وبقاء الحال على ما هو عليه يزيد تعقيد المسألة ويوسع فجوة الثقة التي لن يتحقق الانفراج بعيدا عن استردادها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة