ارتفعت النفقات الجارية لدرجة لم يعد بوسع إيرادات الدولة تغطيتها، وتوسعت بنود النفقات من هذا النوع، حتى لم تعد السيطرة عليها ممكنة، كل هذا نتيجة سياسات الاسترضاء التي عمدت الحكومات إلى تطبيقها منذ سنوات طويلة.
إخفاق الحكومات وخططها الاقتصادية في خلق فرص العمل، أدى إلى إثقال كاهل القطاع العام بالوظائف التي لا تخدم معدلات الإنتاجية بشيء، بل كرست فكرة البطالة المقنعة، لتجعل الفرد مطمئنا لعقود أن مستقبله بأيد أمينة، حتى لو لم يكن منتجا.
ونتيجة لضعف الحكومات وشعورها بالتقصير في أداء الأدوار المطلوبة منها صرنا نسمع يوميا عن رضوخها لقرارات تثقل الموازنة، بدون أدنى مراجعة لخططها التي أوصلت الحال إلى هذا المستوى الخطير الذي يهدد بعجز الدولة عن سداد التزاماتها المالية تجاه الداخل والخارج.
مثل هذه السياسات لم تجد لها رادعا في ظل نهج الدولة الرعوي أو الأبوي، الأمر الذي فرض شكلا مختلفا من العلاقة بين الطرفين، أدى إلى اعتماد الفرد على الدولة بشكل كبير، حيث وجدت الأخيرة وسلطاتها التنفيذية ملاذا للهروب من أداء واجبها الحقيقي باتجاه سياسة الاستسهال التي لا ترهقها بالبحث عن حلول للمشاكل بل ترحيلها إلى أجل غير مسمى.
أمام هذا التراخي، تجد الدولة اليوم قلقة من الحجم الذي بلغه القطاع العام والتنامي غير المبرر في حجمه، وتمضي في الوقت نفسه باتخاذ قرارات تزيد العبء، وهذه النتيجة تخالف الشعارات التي طالما أطلقتها حكومات كثيرة حول ضرورة ترشيق القطاع العام.
اليوم تجد الدولة نفسها في مأزق، فمن ناحية بات يتوفر لها كثير من الدوافع بضرورة التخلي عن الابن الذي طالما رعته ودللته، كسبا لولائه، فيما المعطيات مختلفة في الضفة الأخرى، وتؤكد لها أن الاستمرار في هذه السياسة الاسترضائية ضرورة، رغم ما تسبب به أسلوبها من قتل لروح المبادرة وخلق مجتمع اتكالي، يعتمد على الدولة في تسيير كل أحواله.
والرجوع خطوة إلى الخلف ليس بالأمر السهل بعد عقود من العلاقة الأبوية، خصوصا وأن التخلي المفاجئ عن الفرد بات بالغ الثمن بعد الربيع العربي وثورة الشعوب التي خرجت مطالبة بالحرية والعدالة والكرامة، التي لم تحفظها العلاقة الأبوية نتيجة عدم تكافؤ أطراف المعادلة؛ إذ ما تزال الدولة تنظر للفرد كتابع لا يجوز له أن يخرج عن الخط الذي حددته له.
والمعطيات الواقعية تؤكد أن الإبقاء على المعادلة القديمة مسألة لم تعد واردة، فلا الدولة قادرة على تحمل كلف السياسة الرعوية ولا المواطن راض بها بعد أن تكشفت عوراتها، وعرف تبعاتها الكارثية عليه وعلى مستقبله، عقب أن أدرك أن الدولة وفق هذا النمط تأخذ الكثير ولا ترمي له إلا الفتات.
ما "يزيد الطين بلة" اليوم أن الفرد نفسه وصل مرحلة بات هو الآخر يؤمن بضرورة خلع جلباب "أبيه"، حتى يعتمد على نفسه، ويحصل على حقه الطبيعي في فرصة عيش كريمة، بعيدا عن العلاقة الزبائنية مع الدولة، في وقت نجد الحكومات تتخبط وتتعثر من خيار الفرد الذي بات يهدد مستقبلها قبل أن يهدد عجز موازنتها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة