لا يجوز بعد القرارات الحكومية الأخيرة بزيادة الرواتب ومشروع إعادة الهيكلة، الحديث عن ترشيق القطاع العام، فهذا الشعار بعد كل التطورات التي لحقت بالإنفاق الحكومي بعد "الربيع الأردني" أصبح في حكم الخيال.

 

ردود الفعل الرسمية في التعاطي مع مطالب الحراك الاقتصادية والمعيشية تبدو عادية في دولة اتخذت من فكرة الدولة الرعوية مبدأ منذ تأسيسها، وكانت تقوم على فكرة تقديم الرعاية لخلق علاقة اتكالية (أبوية) بين المجتمع والدولة، من أجل ولاء يتبخر بمجرد توقف الدعم المقدم للمستفيدين منه.

 

وكثير من القرارات الحكومية تؤكد أن فكرة الدولة الرعوية تتعمق لدينا مع الأيام، ما يشي بعلاقة غير صحية بين أطراف العلاقة تقوم على اعتماد كلي من أحد الأطراف على الطرف الآخر في توفير عيشه وحياته.

 

ما حدث في الفترة الماضية أن الدولة قررت إعادة هيكلة رواتب القطاع العام، وأغدقت في تعيينات لا يحتاجها القطاع العام، وفي ذات الوقت قررت إعادة النظر في رواتب المتقاعدين العسكريين والمدنيين، عدا عن ضعف حيلتها في حماية المستثمرين من الاعتداء. 

 

شكل العلاقة يأخذ منحى غير صحي يكرس فكرة الاعتمادية، ويبدد فكرة التخفيف من قيود هذه الرابطة التي تضعف الإنتاجية، وتكرس ثقافة الكسل والتواكل في دولة ما تزال الإنتاجية فيها أدنى من المطلوب بكثير لتحقيق النمو المطلوب.

 

والمشكلة الأخطر أن مثل هذه القرارات تعكس ضعف الدولة أمام مطالب المجتمع وخضوعها غير المدروس لمطالبه بعيدا عن تأثيرات تلك القرارات على الوضع المالي للخزينة؛ حيث يتوقع أن تزيد مثل هذه السياسات الإنفاق الجاري لمستويات كبيرة، بحيث تزيد المشاركة الرسمية في الاقتصاد بدلا من تقليصها!.

 

لو افترضنا أن تعمق مثل هذا التوجه نجم عن انطلاق الربيع الأردني المطالب بالإصلاح، وعكس ارتباك الجهات الرسمية وعجزها عن توفير بدائل خارج دائرة الحكومة المركزية، بيد أن الفرصة ما تزال قائمة لوقف الاستجابة للضغوط المطلبية من خلال إطلاق حقيقي لمسيرة إصلاح سياسي تضمن تحقيق الإصلاح الاقتصادي المطلوب.

 

التنازلات التي تقدمها الدولة اليوم لن ترضي المجتمع، الذي لن يهدأ له بال ولن تتوقف قائمة مطالبه طالما أن الإصلاح السياسي مؤجل.

 

كما أن مثل هذا النهج لن يجلب الرفاه الذي يحلم به المواطن، فمثل هذه العلاقة الزبائنية لن تؤسس لدولة مدنية تقوم على احترام حقوق الإنسان وتطلعاته لحياة كريمة، بل على العكس تماما فإن التركيز على مثل هذه السياسات يفقد الدول شيئا من هيبتها ويجعل القانون مسألة غير مقدسة ولا تحترم من قبل العامة التي ترى الدولة في أضعف حالاتها، ما يدفعها لطلب مزيد من المكتسبات.

 

وأغلب الظن أن الحكومات تتخذ مثل هذه القرارات لإيمانها بأنها ستساعد في امتصاص الاحتقان والغضب وخلق ولاء ومواطنة حقيقيين، إلا أن المعطيات العملية والتجربة الماضية تؤكد أن سياسة التنفيعات والامتيازات لم تعد تصلح في المرحلة الراهنة التي من الأجدى أن نستثمرها للتأسيس لعلاقة صحية بين الدولة والمجتمع.

 

بدل تقديم التنازلات غير المجدية تباعا فإن من الأولى والأجدى على الدولة المضي في تنفيذ خطة الإصلاح، لا الرهان على الزمن في إخماد مطالب الإصلاح والتغيير.
 

المراجع

alghad.com

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة