يمكن أن نوفر عقودا من الزمن والضياع، إذا بدأنا بالإدراك أن التقدم والإصلاح في بلدنا يقوم أساسا على الزراعة، وسوف نوفر الزمن والموارد بمقدار ما نبادر بإعادة صياغة مواردنا وفق هذه الحقيقة، فنحن بلد زراعي، ونحن والعالم أيضا نواجه أزمة غذائية كبرى، ومن المعيب أن نستورد جميع احتياجاتنا الغذائية تقريبا، وإذا كانت سحابة غبار عطلت العالم وشلت الحياة فيه فمن الممكن لأزمة مماثلة أن تجعلنا نموت من الجوع!
بناء نهضة اقتصادية وتنموية على أساس الزراعة هو الأكثر ملاءمة لخبراتنا وإمكانياتنا، وثمة تجارب واضحة في العالم اليوم، مثل هولندا، وأخيرا تشيلي التي استطاعت أن تلحق بالدول الغنية وتتحول إلى دولة متقدمة على أساس الزراعة.
نحتاج ببساطة أن نستنفر كل قوانا العاملة ومواردنا لتحويل 40 % على الأقل من مساحة البلاد إلى غابات ومراعٍ، تقوم عليها ثروة حيوانية وصناعات غذائية، وصناعات خشبية تعدل من أساليب البناء على النحو الذي يقلل من الاعتماد على الحديد، وينتج صناعات للأثاث والتجهيزات الخشبية، وبذلك يمكن ببساطة قيام اقتصاد زراعي وغذائي وصناعات متقدمة غذائية ودوائية وخشبية حوله تكون أساسا للاكتفاء والتصدير أيضا.
نتحدث عن اقتصاد تقوم عليه حياة الناس وإقامتهم، وليس استثمارات أجنبية ومحلية فوقية ومعزولة وأنيقة تقوم على عمالة أجنبية، ولكننا نعني قيام مدن وبلدات واسعة تقوم حياتها على الغابات والمراعي، وتنشأ فيها مدارس وجامعات وأندية وثقافة وأسلوب حياة قائمة على الزراعة والغابات والصناعات المتعلقة بها، وتنشئ حرفا ومهنا وتخصصات علمية دقيقة ومتقدمة على الزراعة والصناعات الغذائية، ومراكز بحوث ومجلات علمية، ومجتمعات معرفية وزراعية تنشأ وتتشكل وتتطور في المدن نفسها التي تنشأ حول الغابات والمراعي، وليس عن أساتذة وطلبة يذهبون صباحا إلى الجامعات ويعودون في المساء إلى عمان.
فالمعيار الأساسي لنجاح ورسوخ الاقتصاد والموارد أن تتشكل حوله أنظمة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية، وتنشأ مدن ومدارس وجامعات وثقافة وفنون وأفكار وقيم وعادات وتقاليد، .. ويتعلق بها مصير الناس ورؤيتهم لأنفسهم وما يريدون أن يكونوا عليه وما يريدون للعالم أن يراهم عليه (الهوية).
ولا بأس في هذا المقام من السخرية ومواصلة تكرار السخرية من محاولة تسويق مشروعات وأعمال واستثمارات باعتبارها تنمية وإنجازات، ولم تكن في الحقيقة سوى تسهيلات ومكافآت منحت للنخب والأجانب، ودمرت لأجلها الموارد العامة، وسخرت لأجلها الموارد والمرافق العامة، وأعفيت من الضرائب ومنحت التسهيلات، ولم يستفد منها أحد سوى أصحابها، وهم ليسوا سوى أقلية طفيلية ودخيلة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد