ثمة سؤال منطقي عند الحديث عن الزراعة والغابات والمراعي عن مدى توافر المياه وإمكانية توفيرها لمثل هذه المشروعات، وتكون الإجابة النمطية بأن سبب غياب النهضة الزراعية والغابات والحياة الاقتصادية حولها هو ندرة المياه، وفي ذلك مغالطة كبيرة، ومحاولة لتبرير حالة الفجوة والخلل في أسلوب حياتنا وإدارة مواردنا، ويمكن بقدر قليل من البداهة والنظر في مشكلتنا الاقتصادية والمائية ملاحظة أن الأزمة ليست متعلقة بندرة المياه ولكن بإدارتها، وبأسلوبنا في تشكيل حياتنا وعلاقاتنا بمواردنا.
هناك فرص كثيرة ضائعة ضمن المياه المتاحة، فمثلا يمكن بالاعتماد على مياه الامطار فقط إقامة زراعات حرجية وعلفية واسعة في مناطق كثيرة جبلية وسهلية وصحراوية أيضا، فالأمطار في مناطق كثيرة كافية لقيام نوع من الزراعات والأنظمة الاقتصادية حولها، ويمكن بإدارة وتجميع هذه المياه توفير فرص كافية للري والشرب للتجمعات السكانية والاقتصادية، وهناك كما نعلم تفاوت كبير في مواسم الأمطار، وإذا كنا مستعدين للمواسم الجيدة والوافرة فسوف نعوض النقص في السنوات والمواسم الشحيحة.
وهناك على الرغم من الأزمة المائية هدر مائي كبير، ويمكن بالمحافظة على هذه الموارد وإدارتها إدارة مثلى توفير مجالات واسعة للري والشرب أيضا، فمثلا يمكن بتطبيق وسائل الحصاد المائي وجمع مياه الأمطار وربطها بالبيوت والأحياء والبلدات والمزارع جمع كميات كبيرة من المياه واستخدامها. ويمكن أيضا بحماية المصادر والأحواض المائية والأودية والسيول، المحافظة عليها. ويمكن بمعالجة مياه الصرف الصحي معالجة أفضل ومتقدمة إعادة تدوير استخدامها.
ويمكن بالطاقة الشمسية الاقل كلفة إقامة مشروعات واسعة لتحلية مياه البحر، ويمكن بتغيير أساليب حياتنا وترشيد وتطوير استخدامات المياه تقليل الهدر وزيادة الفائدة، ويمكن بتطوير وسائل الري تقليل الكميات اللازمة للري، ويمكن بقدر من السياسة الحازمة للعلاقات الخارجية الحفاظ على حقوقنا المائية في اليرموك ونهر الأردن.
ويمكن مراقبة تنظيم وتخطيط التجمعات السكنية وفق المياه ووفرتها كما هو في التاريخ والجغرافيا، ولكنا استثناء من ذلك للأسف الشديد، ويمكن استخدام تقنيات جديدة في الاستعمالات المنزلية واليومية تقلل واحيانا تلغي استخدام المياه، ويمكن لقناة البحرين أن تحقق فائضا مائيا ومشروعات اقتصادية وسياحية هائلة.
ويمكن إعادة تنظيم الزراعة وفق الضرورات المائية، فالمزارع في الديسة على سبيل المثال تستهلك كميات هائلة من المياه، ويمكن ان تستبدل بها زراعات اقل حاجة للمياه، مثل الحبوب والنخيل والاشجار والزراعات الصحراوية والمناطق الجافة، ويمكن استخدام المواسم المطرية الجيدة في زراعة الشعير والقمح بكميات وافرة، بل ويمكن ان نصدر المياه للخارج.
وهناك أيضا فرص لزراعات صحراوية تروى بمياه البحر، وبخاصة لإنتاج الأعلاف أو الزراعة لأجل إنتاج الطاقة، وبذلك يمكن توفير المياه العذبة لإنتاج الغذاء البشري، علما بأنه يمكن أيضا إنتاج أغذية بشرية مستمدة من نباتات تروى بمياه البحر، ويمكن التوسع في إنتاج وتسويق الثروة السمكية، لتقليل الاعتماد على اللحوم والدواجن وما يتبع ذلك من توفير في الماء والواردات، بل ويمكن تصدير السمك بسبب الطلب المتزايد عليه في الخليج.
بالطبع هناك أزمة مائية ضاغطة، ولكن نحتاج إلى ملاحظة العلاقة بين الأزمة المائية وأسلوب الحياة، فالحياة تقوم حول الماء، وليس العكس.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد