إعدام سياسي

يقلل البعض من أهمية تحويل "شخصيات مهمة" إلى التحقيق في قضايا وتهم شكّلت اعتداء على المال العام، وصُبغت بشكل أو بآخر بشبهة الفساد.

 

تقليل البعض من الخطوة ينبع من التشكيك في إمكانية استعادة جزء من الأموال التي نُهبت، كما ينطوي على تحذير من أن المحاسبة السياسية لبعض المسؤولين السابقين لن تنفع الخزينة؛ إذ لن تتجاوز المبالغ التي يمكن استعادتها جزءا يسيرا مما ضاع.

 

هذا الفريق يؤكد نظريته بأن مثل هذه المحاكمة تعني أن الفاسدين ظفروا بالأموال، والبلد هو من خسر!

 

لكن ما يغيب عن حسابات هؤلاء أن الخسارة المعنوية والمجتمعية والوجاهية أغلى بكثير من المال نفسه.

 

فمثل هذه القرارات تكتسب أهميتها كونها تعكس إرادة حقيقية في المحاسبة، بهدف طي الحديث عن ملفات الفساد، وتؤكد أن "حصانة" الماضي بحماية بعض المسؤولين غادرت إلى غير رجعة.

 

توجيه التهم لأسماء بعينها، كانت حتى زمن قريب من الخطوط الحمراء التي لا يمكن الاقتراب منها، يعكس مزاجا رسميا جادا في الاستجابة لمطالب الحراك المنادي بالإصلاح وبمحاسبة الفاسدين.

 

وما يزيد من قيمة الخطوة أنها تعد بمثابة إعدام سياسي لبعض الأسماء التي ظنت أنها ستبقى فوق القانون إلى الأبد، ولن تخضع للحساب يوما على ما ارتكبت من أخطاء وجرائم.

 

فالإعدام السياسي لهذه الطبقة مهم، ويحمل قيمة معنوية لا حدود لها؛ فهو يعني أنها لن تعود إلى العمل العام يوما، ويؤكد أيضا أنها لن تتولى شؤون الناس من جديد، لتعاود تكرار الخطأ، الأمر الذي يشي بأن المطالبة بمحاسبة الفاسدين أثمرت ولو سياسيا.

 

إكمال هذه الخطوة ضرورة، خصوصا أن التشكيك في مساعي محاربة الفساد قائم حتى اليوم، الأمر الذي يتطلب إصدار حكم بالإعدام السياسي بحق كل من ثبتت عليه تهم قضائية بالفساد، وكل من حسب عليه التعدي على المال العام، بحيث لا تخضع العملية إلا لمعيار واحد وهدف أوحد هو استعادة ثقة الشارع التي تبددت نتيجة كثير من الأخطاء.

 

البناء على الخطوة واستكمالها، بهدف حماية المال العام، يتطلب اتخاذ خطوات قانونية وتشريعية، مثل تعديل قانون الذمة المالية الذي يعتريه كثير من نقاط الضعف التي تقلل من شأنه في مجال حفظ الذمة المالية وصونها. 

 

كما أن البدء بوضع قانون "من أين لك هذا؟"، واستكمال منظومة التشريعات التي تضمن صون المال العام وتحفظه ممن يحاول الاعتداء عليه ضرورة؛ فإقرار هذه التشريعات يزيد من قناعة الناس بأن مرحلة التلاعب بالمال العام والتطاول عليه رحلت بلا عودة.

 

الإعدام السياسي أكثر إيلاما من عقوبة الإعدام القانونية، ففيما الثانية تنهي عمر المسؤول، فإن الأولى تنهي حياته السياسية وتكون أكثر إيلاما، سيما وأنها تنفذ يوميا وبدون توقف.

 

المهم في ملف الفساد أن توضع مصلحة البلاد والعباد قبل أي شيء آخر، بحيث تقدم المصلحة العامة واستقرار البلد على كل المعايير، حتى نطوي صفحة ونبدأ من جديد.

 

بقلم جمانة غنيمات.

 

المراجع

alghad.com

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة   العلوم الاجتماعية   الآداب