الانتخاب، أحد أهم الاكتشافات والمكتسبات الإنسانية عبر التاريخ، ويعبر عن أفضل خطوة حققها الإنسان للارتقاء بنفسه، المساواة، أو التطبيق العملي للمساواة، وتحويلها إلى ممارسة وحياة يومية وأساس للدولة والمجتمع، لقد تحول الانتخاب اليوم إلى قاعدة للحكم، حتى الديكتاتوريات تحتاج إلى الانتخابات وتعتمد عليها في تكريس سلطتها المطلقة والشاملة.
يتساءل بيار روزنفالان في كتابه المهم "انتصار المواطن "، انطلاقا من أية لحظة يشكل الاقتراع مكسبا لا رجوع عنه، وفي أي توقيت يمكن اعتبار تاريخ إنجازه مكتملا؟ الإجابة ببساطة، يقول، قانونية ومؤسساتية، ومعرفية وثقافية أيضا، فالانتخابات تكون عندما يريد المواطن ذلك، وتنجح وتعبر بعدالة عن فكرة المساواة عندما يريد المواطن ذلك أيضا، صحيح أن ذلك لم يكن صحيحا قبل فترة وجيزة من الزمن وإلى ما قبل تلك الفترة قرونا طويلة، ولكنها لحظة نشأت، وارتقى الإنسان بنفسه خطوة/ قفزة بعيدة، لم يعد متصورا التراجع عنها.
هل ستكون انتخابات عادلة ونزيهة؟ هل ستعبر عن تطلعات الناس واحتياجاتهم الحقيقية؟ هل ستمثل المواطن تمثيلا صحيحا؟ الإجابة يملكها المواطن وليس الحكومة، تكون الانتخابات كذلك فقط عندما يريد المواطن، ولا يمكن تغييرها أو تزويرها إذا لم يكن المواطنون موافقين/ راغبين في ذلك، ولا يمكن القبول بأن ظلما أو تزويرا يجري في الانتخابات إلا بتواطؤ فئة من المواطنين، من المؤكد أن تشرشل أو شارل ديغول لم يكونا راضيين عن تنحيتهما أو عدم انتخابهما، وقد صنعا لبلادهما أهم انتصار، وكانا وما يزالان برأي جميع مواطنيهما من أعظم قادة بلادهما، ومن المؤكد أنهما فعلا ما بوسعهما للحصول على تأييد الناخبين، ولعلهما ساخطان وماتا ساخطين على الانتخابات والديمقراطية، ولو كان القرار لهما أو يملكان وسيلة لتغيير نتيجة الانتخابات لصالحهما لفعلا ذلك، ولكن شرعية المواطنين أكبر وأقوى من شرعية السلطات، والقبول بقرار الهزيمة الذي ينزله الناخب أرحم بكثير من قرار تحديه.
ليست الانتخابات والديمقراطية أيديولوجيا أو هواية جميلة، وليس مصدر الالتزام بها فقط لأنها فكرة جميلة يؤمن بها أصحابها، ولكن لأنها عقد اجتماعي يمثل الاتفاق الوحيد بين المواطنين، ولعله عقد مليء بالعيوب والمظالم والأخطاء، وليس ضروريا أن يحبه أحد.
وهكذا، فالانتخابات لا يساعد في إنجاحها بشيء كل الغزل والبرامج والمهرجانات والاحتفالات (بعضها يسمى ندوات ومؤتمرات وحوارات)، ولكنها تنجح فقط بأمرين اثنين: بإيماننا أننا لا نعرف الصواب، ولأجل ذلك نلجأ إلى الأغلبية، وعندما ترتبط بها العدالة والمصالح، وإذا لم نتخل عن هذا اليقين الراسخ والشامل الذي نتمتع به في كل صغيرة وكبيرة، وإذا لم تؤد الانتخابات حتى لو كانت نزيهة إلى تغيير عادل في المصالح والأعمال والفرص، فهي لا تختلف عن مشاهدة الفراشات الجميلة في الربيع.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد