بنينا المسجد والمدرسة بأنفسنا (في قرية سبيرا)، فعلنا ذلك جميعا، الرجال والنساء والأطفال، كان هناك بالطبع البناء أبو بهجت، فيما بعد عندما تحول من بناء طين إلى الاسمنت وقع الجدار، فبناء الطين يختلف كثيرا عن الاسمنت بالطبع، القطط أوقعت الجدار قبل أن تجف الخلطة الاسمنتية المفترض أن تمسك الطوب ببعضه، لكن طوبا بسمك 15– 20 سنتميترا لا يكفي الاسمنت لإمساكه، يحتاج أيضا إلى أن يكون مستقيما تماما، أبو بهجت فسر الأمر تفسيرا ذهب مثلا حتى اليوم، قطط مثل الخيل!
لكن المدرسة التي بناها أبو بهجت ماتزال قائمة بعد 50 عاما من بنائها، الأبواب والنوافذ أيضا صنعناها بأنفسنا، أحضرنا الخشب من وادي اليابس، قطعنا مجموعة من أشجار الحور حول الوادي، تحتاج شجرة الحور إلى أربع سنوات لتحويلها إلى أعمدة وسقوف وأبواب ونوافذ، ثمة غرفة بنيت عام 1942 مسقوفة بالحور، وماتزال قائمة حتى اليوم ويقيم فيها أصحابها، صنع الأبواب والنوافذ علي العبد الله أبو محمد، وهو ابن عم أبو بهجت.
شجر الحور حول وادي اليابس لم يكن طوله كافيا لإعداد جسور وسقوف للمسجد، والأشجار الطويلة الضخمة حول نهر الأردن محمية بقرار حكومي يمنع قطعها، ذهب الأهالي لمقابلة المتصرف ليمنحهم رخصة بقطع عدد من الأشجار بجوار نهر الأردن، قال لهم، ولماذا تسقفونه بالخشب، أعطاهم رسالة إلى شركة الإسمنت وشركة للحديد، ومنحتهم الشركة الاسمنت والحديد مجانا، ولكن لم يكن في القرية أحد يتقن البناء بالإسمنت والحديد، وبقي ملقى بجانب المسجد، وبقينا نصلي في المسجد من غير سقف، ثم تحول إلى ملعب للأطفال!
بعد أربعين سنة أو أقل حاول بعض العائدين إلى التراث إقامة بيت بالطريقة التقليدية التي كانت سائدة ومتبعة، لم يجدوا أحدا يعرف البناء بهذه الطريقة، وسخر الناس من الفكرة، ماذا حدث للقرية؟ استعادت وزارة المواصلات السلكية واللاسلكية (أظن أن اسمها كان هكذا) أعمدة الهاتف التي نصبت لأجل إنشاء شعبة للبريد والهاتف في القرية، بعدما مدت الأسلاك وثبتت الأعمدة.
وبعد أربع سنوات من حرب عام 1967 عندما عاد الناس إلى مزارعهم، وأعيد تشغيل مدرسة القرية الابتدائية، كانت قد تغيرت أشياء كثيرة، الشباب توجهوا للوظائف والعمل في المدن، كثير من الناس فضلوا عدم العودة إلى القرية، وبعد عشر سنوات أغلقت المدرسة، ولم يعد يقيم في القرية أحد سوى الحاج عبد الرحمن، أصر على البقاء في القرية هو وزوجته أم أحمد، وظلا وحيدين في ذلك الوادي الجميل الموحش حتى توفيت أم أحمد في منتصف التسعينيات، واضطر الحاج عبد الرحمن أخيرا للنزول عند رغبة أبنائه وأحفاده بالعيش معهم.
القصة ليست فقط تصلح دراما رومانسية مؤثرة، ولكنها مثال على التحول في أساليب الحياة والإقامة، ماذا كسبنا وماذا خسرنا؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد