دوران في حيز ضيق

محاولات كثيرة فشلت في انتشال الاقتصاد من المستنقع الذي غرق فيه منذ سنوات. وأخفقت كل الإجراءات والخطط الرسمية لحكومات متتالية، في التخفيف من التراجع الحاد الذي يمر به منذ سنوات.  السؤال المهم: لماذا فشلت كل الحكومات السابقة وفرقها الاقتصادية في تحسين الحالة الاقتصادية؟

 

بمراجعة القرارات العلاجية التي اتخذتها الحكومات، نكتشف أنها كانت تدور في فلك واحد، إذ ركزت على السياسات المالية ونأت بنفسها عن السياسات الاقتصادية؛ بمعنى أن الحكومات كانت تضم فرقا مالية وليست اقتصادية!

 

فمثلا؛ بات يعرف الخبير وغيره أن رفع أسعار الفائدة يحمي من "الدولرة"، ويكبح جماح التضخم، كما يدرك أيضا أن ضبط النفقات العامة الحكومية يأتي بالركود. إلا أن مثل هذه التوجهات التي لم تتغير منذ زمن، وبقيت مسيطرة على عقول المسؤولين، لم تحقق الغاية منها.  لكن، بعد هذه النتيجة غير المُرضية، لم لا نقلب الصفحة ونبحث عن مخرج جديد؟

 

الحكومات في السابق لم تأخذ بالحسبان أهمية اتخاذ قرارات تنسجم مع سياسات اقتصادية تقدر على تجديد الدماء في عروق الاقتصاد، والتي جفت نتيجة تحييد كثير من الأدوات القادرة على إنعاشه، وظلت مركونة على جنب.

 

ومن الحلول التي تباطأت الحكومات في إقرارها وإضافتها إلى الأدوات، رغم فعاليتها في تقوية الاقتصاد، سوق السندات التي ما تزال حبرا على ورق.

 

وللسندات إيجابيات لا يمكن إغفالها؛ أهمها الدور القوي في تكريسها كأداة استثمارية، وتحديدا سندات التنمية، لدورها المهم في استثمار أموال جديدة لتمويل نشاط الحكومة والقطاع الخاص.

 

أيضا، الصكوك الإسلامية ما تزال مجمدة، رغم ضرورتها في تشغيل أموال البنوك الإسلامية المكدسة. وهي تتيح استثمار مئات الملايين بأسلوب ينسجم مع الشريعة الإسلامية، وتشجع الأفراد أيضا على ذلك، ما يؤدي إلى تنشيط الاقتصاد. 

 

الإهمال والتراخي في إقرار قانون الصكوك الإسلامية ظاهران؛ فالقانون موجود لدى الجهات المعنية منذ سنوات وما يزال يقبع في أدراج ديوان التشريع، ولم تضغط حكومة واحدة لإقراره، ما عمق أزمة الاقتصاد أكثر.
 
المشكلة أن الأدوات التي تركز عليها الحكومات كانت تستهدف أموال البنوك التجارية وتستثني مصادر السيولة الأخرى. ومشكلة هذا التوجه أن المتاح استثماره من أموال البنوك استنزف، والفرصة المتبقية محدودة، كون البنوك مسيطرة على غالبية النشاط الاقتصادي.
 
أخطأت الحكومات السابقة كثيرا، واجتهدت في المواقع الخطأ، ما زاد الطين بلة، بنتائج  كارثية للسياسات السابقة؛ إذ ما معنى أن يتراجع تداول السوق المالي عشرات المليارات، ويستمر نزف السوق بلا توقف والحكومات لا تحرك ساكنا؟ علاج النزف بحاجة إلى خطوات جذرية تساعد على استعادة الثقة بالاقتصاد الوطني، وتعمق الأدوات الاستثمارية، بحيث يتحقق أكثر من هدف:

 

الأول، ضخ أموال في قطاعات مختلفة تتعطش للمال؛ والثاني، الحفاظ على احتياطي أجنبي أكثر ثباتا، خصوصا أن مثل هذه الأدوات مرتبطة بأصول وليس شركات ورقية لا تساوي شيئا في الواقع.
 
 ويساعد تغيير النهج على تحقيق الهدف الأسمى الذي عجزت عنه الحكومات، والمتمثل في تحقيق التنمية المستدامة، خصوصا أن هذا النوع من التمويل يرتبط بمشاريع حقيقية قائمة على أرض الواقع، وتساعد على تشغيل الأردنيين، ما يساهم في تقليص معدلات الفقر والبطالة.
 
آن الأوان لدعم الاقتصاديين والمستثمرين الحقيقيين، من خلال توفير مصادر التمويل لدعم مشاريعهم، وأن لا يبقى تسهيل المهمات لمسؤولين تركوا القطاع العام وسيطروا اليوم على القطاع الخاص، ولم يحققوا وعودهم في أي من مواقعهم.

 

وعلى المسؤولين خلع ثياب الخبير المالي ليرتدوا عباءة الاقتصادي الذي يفكر بشكل شمولي، ويقدم حلولا شاملة لمشاكلنا الاقتصادية، بدلا من الدوران في حيز محدود.

 

بقلم جمانة غنيمات.

 

المراجع

alghad.com

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة   العلوم الاجتماعية   الآداب