الحديث عن الطبقة الوسطى يحتل مساحة واسعة هذه الأيام، وفي أحيان كثيرة يتحول إلى ديباجة دائمة حتى في تبرير الضرائب على السلع، أسلوب يشبه العلاقة بين الإعلانات التجارية للمطاعم وبيع الدهانات والمناسبات الوطنية والدينية (وهذا يحدث باستمرار في الإعلانات التجارية المنشورة)، ولكن من المؤكد أن الاهتمام الكبير اليوم بالطبقة الوسطى له إيجابيات كثيرة ومهمة، وأهمها بتقديري "وعي الطبقة"، أن تعي طبقة ما نفسها، وتلاحظ الفرق بين واقعها وما تتطلع إليه، وتدرك ما تتطلع إليه وما تحتاجه بالفعل، وهذا يشمل بطبيعة الحال طبقات واسعة مثل الطبقة الوسطى، أو طبقات/ فئات اجتماعية ومهنية محددة، فهذا الوعي ضروري، بل هو شرط أساسي للتحرك والإصلاح، وبرأي الراحل نصر حامد أبو زيد فلا يمكن الحديث عن إصلاح من غير أن تعي طبقة ما وجودها، وحقائق وجودها، وممارساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في حركتها، وتراثها الفكري والعقلي الذي تستمده من ماضيها.
لدينا في الأردن شارات قليلة وبدايات لوعي الطبقة يمكن ملاحظتها بحراك المعلمين، وبالطبع هناك وعي آخر مقابل متشكل لكنه يتناقض مع أولويات المجتمع ومصالحه، وللأسف الشديد فإن هذا الوعي "المضاد" يستقطب فئات وتحالفات متسعة في مواجهة المجتمع، وينشئ ذلك تناقضات في الطبقة الوسطى نفسها، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح مأساوي في النقابات المهنية، التي تتحرك في كثير من الأحيان ضد نفسها وضد المجتمع، بسبب مصالح بعض قياداتها، ولا بد من القول إنها ضربة قاصمة تتلقاها الطبقة الوسطى.
فأسوأ ما يمكن أن تواجهه فئة أو طبقة في نضالها لأجل حقوقها ولتحسين مستواها المعيشي أن تكون مطالبها الواضحة والأساسية تتناقض مع مصالح واتجاه قياداتها، وأن تكون متناقضة مع حالة تمثل مصلحة للنخب ويمثل تغييرها إضرارا بالنخب المتنفذة، والتي تتحرك باقتدار وفاعلية لتكريس الفقر والمظالم، لأنه بصراحة وبساطة واقع تقوم عليه مصالح ومكتسبات فئة قادرة وتملك كل شيء تقريبا.
لنتخيل ما يمكن أن تؤول إليه الحال لو تحركت الطبقات الوسطى لتعديل/ إصلاح قانون الضرائب، وتفعيل تحصيل الضرائب من مستحقيها، وذلك يشكل البداية الحقيقية للعدالة الاجتماعية وتحسين أوضاع الطبقة الوسطى، ولكن ذلك يعني ببساطة تدمير مصالح وكيانات كبيرة وراسخة قائمة على التهرب الضريبي، وهذا التهرب تتواطأ عليه فئات من الطبقة الوسطى نفسها وأصحاب المهن المفترض أن يقودوا الإصلاح مع مصالح شركات ومقاولين وقطاعات اقتصادية وتجارية كبرى لكنها في الوقت نفسه لا تفيد في إيراداتها وأرباحها سوى أقلية ضئيلة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد