تبدأ التنمية (ومكافحة الفقر بطبيعة الحال) بحكم محلي وبلديات مسؤولة عن توفير الاحتياجات الأساسية (الماء والتعليم والتموين والصحة والخدمات العامة والثقافية والرياضية) لمواطنيها، ويكون المواطنون شركاء في الإدارة والتمويل والمحاسبة، وفي هذه الحالة حتى لو كان هناك نقص في الموارد المالية أو نقص في مستوى الخدمات، فإنه يمكن تعويضه برفع مستوى جودة الخدمات التي لا تحتاج إلى تكلفة عالية مباشرة لرفع مستواها؛ مثل التعليم والعلاج والرعاية الصحية والمجتمعية، والأعمال الرياضية والثقافية والفنية والترويحية، وستؤدي كفاءة هذه الخدمات مع الزمن إلى رفع كفاءة المواطنين وزيادة فرصهم في الحصول على أعمال وموارد، وبطبيعة الحال، فإن جزءا من هذه الموارد سيذهب على شكل ضرائب أو تبرعات أو إنفاق شخصي وقوة شرائية تحرك السوق والموارد العامة تمكن البلديات والمؤسسات الحكومية والمجتمعية من رفع مستوى إيراداتها وخدماتها.
فعندما تنشئ الحكومات والبلديات والمجتمعات بيئة محفزة للمواطنين تدفعهم إلى العمل والانتماء والإبداع، تزيد بطبيعة الحال موارد الدولة والمواطنين، وتتعاظم فرص العمل والدخل، وتتولد مجالات جديدة للأعمال، وبذلك تنشأ فرص لزيادة الدخول وتحسين مستوى المعيشة للناس، وتزيد أيضا الموارد العامة المتأتية من الضرائب، لأنها تتناسب بطبيعة الحال طرديا مع مستوى الأعمال والدخول والاقتصاد، وهذه الموارد العامة ستعود بدورها على مستوى الخدمات العامة الموجهة للمواطنين والمستهدفة تحسين مستوى معيشتهم ودخولهم.
أين يحدث الخلل في هذه المعادلة وكيف يبدأ؟
الخلل والفقر يبدآن ببساطة عندما تغيب العدالة، العدالة في جمع الضرائب والموارد العامة، وفي إنفاقها وتوزيعها، فينشئ ذلك طبقات غنية وأخرى فقيرة، وتتكرس مصالح وعلاقات قائمة على الظلم أو على أساس استثنائي، ثم تتجمع الطبقات الغنية والمتنفذة لحماية هذا الواقع وتكريسه، فتزيد الفقر والفجوة بين الناس، وتواصل تعزيز مصالحها ومكاسبها على نحو متوال وممتد في التشريعات والعطاءات والفرص والتوظيف والخصخصة والمرافق والخدمات العامة، فيزداد الحرمان ويزيد الفقر، ويتواصل تزايده، وهكذا فإن الفقر ينشئ الفقر، والظلم ينشئ الظلم، والفجوة تتحرك متسعة، ولن يكفي شيء مما يدفعه الأغنياء والحكومات للصدقات، والمعونات التي لا تساعد سوى على تكريس الظلم والاستعلاء، ولو كانوا صادقين أو جادين بالمساعدة بالفعل، لأصلحوا في أنظمة العمل والتنافس والموارد.
وتكسر الحلقة (الظلم والفقر) هذه بالتنافس العادل، لأن من شأن ذلك أن يحرك النخب ويجعلها مفتوحة للصاعدين من العصاميين والقادمين غير أصحاب المصالح، ولأن إغلاقها ينشئ تواطؤا جهنميا على استمرار الفجوة والفقر.
الحكومات تبذل الكثير من المال والجهد فيما يسمى مكافحة الفقر، وفي الحقيقة، فإن ما تنفقه هو لمكافحة علاج الفقر، وهذه هي القصة الحقيقية للفقر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد