لتقيا بإحدى جامعات الضفة الغربية، هي تدرس في كلية الآداب-قسم اللغة الإنجليزية، وهو يدرس في قسم الصحافة-قسم الإعلام، بعد عدة لقاءات عابرة في حرم الجامعة، ونظرات عميقة متبادلة، وابتسامات خفيفة وناعمة، خفق قلباهما معا، فأحبها حبا شديدا، وبادلته هي حبا بأكثر من حبه لها، ثم اعتادا على اللقاءات المتواصلة والطويلة، وضبطا ساعتهما و مواعيدهما بدقة متناهية، مظهره أنيقا، له جاذبية خاصة، متكلم جيد، كثير التنقل والترحال، ليس من طبيعته، ان يبقى في منزله حتى من قبل ان يتعلم الصحافة، (هذا ما قالته هي لي عندما سألتها عن سبب طلاقها منه).
جمالها كان فوق العادة، بشرتها بيضاء اللون، عيناها خضراوتان، شعرها اسود حالك كسواد الليل، اعتادت على تسريحه حسب الموضة ( نيجرو )، قامتها طويلة، ممشوقة القوام ومتناسقة الجسم، يعلو وجهها ابتسامة رقيقة دائما، ذات شخصية قوية وجذابة، مجدة ومجتهدة في دراستها، حصلت على أعلى الدرجات العلمية. (هذا ما صرح به هو لي، عندما سألته عن سبب تطليقه لزوجته).
اتفقا، على أساس بعد تخرجهما من الجامعة مباشرة، خريجة الأدب الإنجليزي، وخريج كلية الصحافة، على الزواج مباشرة، بعد ان يحصلا على عمل مناسب لكل منهما، لكنها هي، بعد ان تخرجت من الجامعة، طلبت منه تأجيل موضوع زواجهما لفترة زمنية محددة، الى ان يتمكنا كليهما من بناء نفسيهما جيدا، ويكونا على أتم الاستعداد للزواج، وبناء عش الزوجية، لكنه رفض طلبها، ولشدة ولعه بها، أصر على الزواج منها اليوم قبل الغد، لم يكن أمام محبوبته، وأمام إصراره الشديد، إلا أن وافقت على طلب الزواج منه، ولم يكونا قد رسما او درسا بعد طريقهم الى حياة الزوجية، وكيفية تعاونهما ومشاركة كل منهما لمواجهة الحياة، ومشاكلها وأعبائها المستقبلية.
اتفقا مبدئيا على ان يعملا كل في مجال اختصاصه، هو يعمل في مجال الصحافة، وهي تعمل هي في مجال التدريس، تدريس اللغة الإنجليزية.
بعد فترة وجيزة من تخرجه، تمكن هو من الحصول على وظيفة مناسبة، تتناسب مع دراسته الجامعية، في إحدى مؤسسات الصحافة، في مدينة رام الله، حيث تتمركز معظم الصحف والمجلات والمؤسسات الصحفية، لأن مدينة رام لله هي مركز العمل الصحفي, أما هي، فقد حصلت على وظيفة مدرسة، عملت مدرسة للغة الإنجليزية، في منطقة قريبة من سكن أهلها، استأجرا شقة بالبداية، قريبة من سكن أهله، وبعيدة عن سكن أهلها كثيرا، خطا الخطوة الأولى نحو الزواج حيث قام بخطبتها، حسب التقاليد والعادات المتبعة، ثم قام بكتابة كتابه عليها، على سنة الله ورسوله، ثم أقاما حفلة زواجهما على عجل، وكان الحفل بسيطا، حسب رغبتهما ولم يكن مكلفا، حيث كان عدد المدعوين محدودا.
مضى اكثر من شهر عسل بينهما، رغم مشاكل التنقل والمواصلات، من مكان سكناه الى مكان عمله، وصعوبة الحياة وارتفاع تكاليف المعيشة، انتهى بهما المطاف كي يستأجرا شقة قريبة من محافظة رام الله، حيث مكان عمل الزوج، وتمكن أيضا من نقل مركز عمل زوجته الى رام الله أيضا، لتعمل في سلك التدريس، ولكي يكونا قريبين من بعضهما البعض، ويتجاوزا مشكلة المواصلات والتنقل من مكان الى آخر.
مضت عدة سنوات على زواجهما، خلفا خلالها ولدا وبنتا، تمكن بداية، من إحضار والدته كي تقيم معهما في منزلهما في مدينة رام الله، لتقوم برعاية طفليه، بالفترة الصباحية الى ان تعود زوجته من عملها في المساء، فتهتم برعاية طفليها، وكان هو يذهب الى عمله ولا يعود إلا في ساعة متأخرة من الليل، أما زوجته هي، فتعود من عملها بعد الساعة الثانية من بعد الظهر يوميا، وعند عودتها، كانت تجد حماتها بانتظارها، ومعها طفليها، فتسلمهم لها مباشرة، حتى قبل ان تطأ قدماها عتبة البيت، وتتبرأ الجدة من العناية بالطفلين حتى مجيء صباح اليوم التالي، فتقوم الزوجة على إعداد الطعام لها ولزوجها ولطفليها يتناسب مع ذوقها، أما حماتها فلها أكلها الخاص بها وهي لا تقوم بإعداده ولا تتدخل بطبيعته، تتغذى الزوجة وتتعشى مع طفليها وتنام، قبل ان يحضر زوجها، لأنه اعتاد على تأخره في الليل كثيرا، وإذا ما حضر في وقت ما ووجدها نائمة، فقد يوقظها لكي تحضر له طعام العشاء، وغالبا كان لا يسأل عن طعام عشائه، بل كان ينام الى جانب زوجته، دون ان تشعر بوجوده، وأحيانا قليلة، كانت تستيقظ الزوجة على صوت حضور زوجها الى البيت، وكانت تسأله فيما اذا كان يريد منها شيئا تفعله له.
هكذا كانت تسير الأمور بينهما بهذه الطريقة والرتابة المملة والكئيبة يوميا، دون أي اهتمام زائد من الزوج نحو زوجته، وقد اعتادا كليهما على هذه الحياة الرتيبة المملة (يذهب الزوج وزوجته صباحا كل الى عمله، تضع الزوجة أطفالها في عهدة حماتها، يوصي الزوج والدته الاهتمام بالأطفال ومراقبتهما جيدا، الى حين عودة زوجته، يذهب الزوج الى عمله ولا يعود غالبا إلا بعد منتصف الليل، فيجد زوجته غارقة بسابع نومها، أحيانا يسأل بها وأحيانا اخرى كثيرة لا يسال---.)
مرضت الحماة، مرضا أقعدها ولم تكن لتستطيع القيام بواجبات أحفادها، فعمل ابنها الى نقلها الى بيتها في مسقط رأسها، وهكذا تركت الحماة هموم الأطفال لوالديهما، كي يقوما برعايتهما، اضطرت الزوجة لعدم تمكنها من تأمين رعاية لطفليها، الى ترك عملها والبقاء في البيت، حتى تقوم برعاية طفليها، وأيضا كي تقوم بعمليات الطبخ والنفخ، وزوجها لا يحضر الى البيت، إلا بعد منتصف الليل، غالبا كعادته.
عاشت الزوجة مدة طويلة من الزمن، مع أطفالها وجدران البيت وحيدة، لا ترى زوجها إلا قليلا من الوقت، حيث يقضي الزوج معظم وقته خارجه، متنقلا من مكان لآخر، حسب مقثضيات العمل.
بعد مدة طويلة من الوقت، أصيبت الزوجة بكآبة حادة، وانهيار عصبي، بعد مشادات عنيفة متكررة بينها وبين زوجها، كان يتخللها ضرب مبرح من زوجها لها، افقدها وعيها مرات عديدة، فقد كانت الزوجة دائما تطالب زوجها أن يعود الى بيته مباشرة، بعد الانتهاء من عمله، حتى يجلسا معا ومع اولادهما و ييتناقشا في مشاكل البيت وهمومه، وكذلك في هموم الأبناء واحتياجاتهم المادية والمعنوية، كان الزوج يرفض طلبها هذا دائما، بحجة ان عمله يتطلب منه التغيب عن البيت، لساعات طويلة، وهو غير قادر للحضور الى بيته بانتظام يوميا، لأن طبيعة عمله لا تسمح له بذلك،
لم يعد مجديا النقاش فيما بينهما، حيث كانت تصل مناقشاتهما الى طريق مسدود غالبا، وأحيانا يتجاوز الزوج حدوده، فيعمل على إهانة زوجته وضربها ضربا مبرحا.
سئمت الزوجة كثيرا، عش الحياة الزوجية، وسئمت من الوحدة والملل، والجدران الأربعة التي تحيط بها، وأصبحت تخاف حتى من خيالها، مما اضطرها أن تذهب الى الطبيب، عله يخفف عنها معاناتها وكآبتها، وصف الطبيب حالتها الصحية، واستنتج بأنها مصابة باكتئاب نفسي حاد، وصرف لها دواء مهدئا للأعصاب، على ان تتناول منه حبة يوميا او عند اللزوم، اعتادت الزوجة على تناول الدواء، حسب تعليمات الطبيب بانتظام، حتى وصلت الى الحالة التي لم يعد يؤثر فيها الدواء، ولم يعد يحد من كآبتها، لتكرار مسلسل المشاكل بينه وبين زوجها، فضاعفت جرعات الدواء، مثنى وثلاث ورباع، دون استشارة الطبيب، حتى انها لم تعد تشعر بوجودها وبوعيها، وأصبح لديها ارتخاء كامل بعضلات جسمها، وأصبحت تضحك لأتفه الأسباب، وأحيانا تضحك دون أسباب تذكر، حتى ان بعض جاراتها اتهمنها بأنها تتعاطى المخدرات او حبوب الهلوسة.
لم يكن الزوج يسأل كثيرا عن زوجته، خاصة بعد ان أصبحت زوجته شبه مخدرة، فلم تعد تحس بوجوده في البيت، سواء حضر، او لم يحضر الى بيته، ولم تعد تعيره اي اهتمام يذكر، ولم تعد زوجته تشكو له من وحدتها ومن شجونها كعادتها كل يوم، وقد اعتقد الزوج، ان ضربه لزوجته وإهانتها وتأنيبه لها باستمرار، قد أدبها كثيرا، وأحسن من تأديبها، وبهذا يكون قد أسكتها تماما، وسلم من مشاكلها و شكاويها، الى ان فاجأته يوما من الأيام، بطلب من أهلها بتطليقها منه، بعد ان طفح الكيل بها كثيرا (كما تقول هي)، بحيث أصبحت لا تستطيع رؤيته بتاتا، وتنازلت عن كافة حقوقها بالكامل، في مقابل طلاقها منه.
على الرغم من تدخل بعضا من أهله، وبعضا من أهلها مرارا وتكرارا، ولكن الأمور لم يكن بالأمكان التأثير فيها أو السيطرة عليها، ففي الأخير، لم يعد مفرا من تطليقها، فذهب الزوج الى المحكمة، التي عملت على تطليق زوجته منه، حيث تم التفريق بينهما، وذهب كل منهما الى طريقه، حيث ذهبت الزوجة الى بيت أهلها مع طفليها، وبقي هو في بيت الزوجية المنهار، وحيدا، إلا من خياله وذكرياته، مع زوجته المطلقة.
تحسنت نفسية الزوجة كثيرا بعيدا عن بيت الزوجية المنهار، وعاشت في بيت أهلها ومعهم، بعد طلاقها من زوجها، لم تعد تأخذ الحبوب المهدئة والمسكنة، التي كانت تأخذها عقب كل مشكلة مع زوجها، عندما كانت متزوجة، لكنها بدأت تشعر بفراغ كبير لا تستطيع ان تملؤه، خاصة انها اعتادت على العمل في حقل التدريس، الذي كان يأخذ منها معظم فراغها، فماذا عساها أن تفعل، أعادت البحث عن عمل مناسب لها مرة أخرى، فعملت أيضا مرة أخرى في مجال التدريس، وهو الذي أعاد ملأ وقتها بشكل كبير، حيث كانت تذهب في الصباح وتعود الى بيتها في المساء، لكن هذه المرة، كان مركز عملها قريب من بيت أهلها، وكانت تضع أولادها في رعاية جدتهم، أثناء قترة عملها الصباحية.
عندما قام القاضي الشرعي بتطليق الزوجة من زوجها، حدد القاضي للزوج، حق زيارة ولديه وهم في أحضان والدتهم، ساعات محدودة، كي يختلي بطفليه، مرتين بالأسبوع، فصار الزوج يعود طفليه باستمرار، حسب ما حكم له القاضي شرعيا، تعددت زيارات الزوج لطفليه كثيرا، وفي مرة من إحدى زياراته لأطفاله، نظر الى زوجته المطلقة عن بعد، وغمز لها، وقال لها بأنه يود أن يكلمها على انفراد، وافقت الزوجة المطلقة على طلبه هذا، لتفهم منه مراده منها، ففاجأها، وأسر لها، برغبته الشديدة لها، وطالبها بعودتها الى عش الزوجية من جديد، على أساس، استعداده الى ألالتزام الكامل، بكافة شروطها التي يمكن لها ان تضعها أمامه، فيما اذا وافقت بالعودة الى بيت زوجها، لم تستطع الزوجة ان تعطيه ردا سريعا وقاطعا بالرفض او القبول، قبل ان تأخذ رأي أهلها بالموضوع، ولكن بعدما قامت بمشاوراتها المختلفة، وافقت مبدئيا على طلبه بالعودة، وأمام شهود من أهله، وشهود من أهلها، وبعد إجراءات طويلة ومعقدة، وافقت الزوجة بالعودة لزوجها مرة ثانية، حسب شروطها التي وضعتها أمامه، بعد هجرانه لها لعدة سنوات.
بعد عودتها لزوجها، قضى الزوج فترة زمنية مع زوجته العائدة، كانت عبارة عن بضعة شهور من العسل معها، مرة اخرى.
لأشهر معدودات، التزم الزوج ببادئ الأمر، بكل ما وعدها به، فلم يسيء معاملتها، كما انه لم يقم بإهانتها وضربها كما كان يفعل في السابق، ولكنه عاد الى طبيعته الأولى، فلم يكن يحضر الى البيت في وقت مبكر كما اتفقا، ولم يعد يهتم بزوجته حسب الأصول المتبعة، ولم يكن يقدم احتياجات بيته الضرورية، ثم ما لبث أن، انهار الاتفاق الذي وقع بينهما، خلال مدة لم تتعدى بضع شهور، وتعود الزوجة لتناول المهدئات والمسكنات مرة اخرى، لتتغلب على وحدتها وخوفها، نتيجة لعودة الأسباب لسابق عهدها، و زاد ألمها كثيرا عن ذي قبل.
تدهورت حالتها الصحية والنفسية مرة اخرى، وبشكل حاد، خاصة بعد ان تكرر ضربه لها، في أوقات لاحقة، كلما اشتكت او همت بالشكوى منه، لم تعد تحتمل هذه المرة، اكثر من ذلك، استدعت أهلها على عجل كي يخلصوها منه مرة اخرى، وهددت بالانتحار، اذا لم يستجاب لطلبها هذا، وذهبت مع أهلها الى القاضي الذي كان قد طلقها، ثم وافق على عودتها الى زوجها، وأمام القاضي، عرضت مشكلتها مرة اخرى، بالتفصيل الممل، كي يلم القاضي بكل صغيرة وكبيرة، اقتنع القاضي بكافة ما قدمته إليه الزوجة من مبررات، حتى انها كشفت له عن جسمها، ليرى بأم عينيه، آثار الضرب والتعذيب الذي تلقته على أيدي زوجها، عمل القاضي على تطليقها مرة اخرى، وبموافقة زوجها، تطليقا لا رجعة فيه. انتقلت الزوجة مع طفليها الى بيت أهلها، وبدأت تعيش حياتها في ظل أهلها، وبعيدة عن زوجها الظالم، وعادت حياتها طبيعية، كما لو كانت قبل الزواج، ولكن بعد مدة طويلة نسبيا من النسيان والهدوء والنوم العميق.
أعادت الزوجة المطلقة تنشيط نفسها، واستعادت حيويتها ونشاطها، بعد ان نسيت وتناست مشاكلها وعذابها مع زوجها، التحقت في معهد للرياضة كي تمارس فيه ألعابا رياضية، ترفيها عن نفسها، و مرة اخرى، عادت للعمل في حقل التدريس، تحسنت نفسيتها مرة اخرى كثيرا عن ذي قبل، ونسيت زوجها وموضوع الزواج بالكامل، ووهبت نفسها وحياتها لطفليها لتربيتهم و تنشاتهم بالكامل، فتحت لكل واحد من أبنائها حسابا في البنك، وكانت تودع فيه لهما نصف راتبها الشهري، لم يعد لديها فراغا كثيرا، كما كان في السابق، عمدت بوقت فراغها القليل، ان تطالع كتبا في الأدب الإنجليزي، وقد كانت تجد فيه متعة اكثر من وجودها في بيت الزوجية السابق، وكانت تقرأ الكتب باستمرار وتقول " الكتاب خير جليس لي في الحياة" وكانت تردد دوما على مسمع من الناس بأن: (ذنب الكلب أعوج، حتى لو حطيته، في مائة قالب وقالب)
أما زوجها، فسارع للزواج من واحدة اخرى، ومارس عليها ساديته، كما مارسها على زوجته الأولى من قبل، وهكذا عادت عذابات الزوج وظلمه الى زوجته الثانية، والثالثة حتى افتضح أمره، في كل مكان، ولم يعد أحدا يثق فيه، او يعيره اهتماما، وامتنعوا عن تزويجه بناتهم.
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب