الندوة التي عقدت في مركز الرأي للدراسات الأول من أمس حول الإعلام والإصلاح تحرك أسئلة وتحديات جديدة في العمل الإعلامي. فالحديث عن الدور الإصلاحي للإعلام يفرض بالضرورة التفكير بالبيئة الجديدة التي يعمل فيها الإعلام، والتي تجعل كل حديث عن الرسالة الإعلامية والثقافة الجادة والمضمون والحريات والعدالة غير ذات جدوى، ذلك أننا بحاجة إلى تفكير جديد منقطع الصلة تقريبا بالعمل والتفكير في المرحلة القريبة الماضية.
فالإعلام يشهد تحولات كبرى وجذرية - في علاقته بالمجتمع والدولة وفي تفاعله مع تحولات وتداعيات العولمة والاتصالات والمعلوماتية في مسار الإعلام- تجعل المسافة بين الإعلام اليوم وغدا وبين الإعلام قبل سنوات قصيرة مثل المسافة الفاصلة بين عصرين كبيرين كالانتقال من المجتمع الزراعي إلى الصناعي أو من السفينة الشراعية إلى السفينة البخارية، بل إن العبور أكثر تحولا ودراماتيكية.
لم يعد الإعلام للدولة، ولن يمضي وقت طويل حتى تكون جميع المؤسسات الإعلامية شركات خاصة استثمارية، وستتوقف المؤسسات غير القادرة على الربح، وهذه القاعدة التجارية والاستثمارية تغير كثيرا في رسالة الإعلام ودوره، وتنشئ أسئلة جديدة لم تبحث بعد في الندوات والدوائر(العلنية على الأقل) والتي تشغل نفسها بالإعلام ورسالته ودوره.
المجتمعات والحكومات في تعاملها مع المؤسسات الإعلامية إنما تتعامل مع شركات تجارية، وتشبه العلاقة بها العلاقة مع شركات الاتصالات والكهرباء والتأمين وغير ذلك من المؤسسات التجارية والتي كانت حتى فترة قريبة مؤسسات حكومية خاضعة لرقابة مجلس النواب، وتستمد ميزانياتها ومخصصاتها من الخزينة العامة، وتذهب مواردها إليها، ولكنها اليوم شركات استثمارية يملكها في كثير من الأحيان أشخاص وجهات غير أردنية، فأية رسالة ننتظرها من هذه المؤسسات، وما الإصلاح المنتظر والمعول عليه؟
بالطبع فإن تحول الإعلام إلى مؤسسات تجارية واستثمارية ليس كارثة بالضرورة، فهو ليس شرا مطلقا ولا خيرا مطلقا، كما أن مساره في المكسب والخسارة ليس حتميا، وإنما يعتمد على طريقة إدارته والمنظومة السياسية والاجتماعية التي يعمل فيها. فالخصخصة يمكن أن تعزز الديمقراطية والتنافس، وتطور العمل وتبحث عن الأصلح وتوقف العبء والنزف، ويمكن بالطبع أن تهوي إلى الانفصال عن الاحتياجات والأولويات الإصلاحية والوطنية، والمرجح أن المسار المستقبلي سيكون مزيجا من الخيارين وخلطا بين الصواب والخطأ والإنجاز والخسارة.
وتعتمد المكاسب على إنشاء استراتيجية وأفكار جديدة تتفق مع مرحلة الخصخصة المقدم عليها الإعلام. وسيكون من إضاعة الوقت والجهد ومن قبيل مناطحة الصخر أن نحاول استعادة الحالة الذهبية للإعلام الأردني والدراما الأردنية والإنتاج الفكري والثقافي الأردني باستعادة المرحلة نفسها، فالتدهور ليس سببه الأشخاص والقيادات والمثقفون والكتاب والصحافيون وإنما الارتباك في التعامل مع المرحلة الجديدة، أو حسب تعبير الأستاذ نصوح المجالي: الحل ليس بتغيير السائق وإنما بتغيير أو على الأقل إصلاح العربة.
وهكذا فإن السؤال هو كيف نحقق الإصلاح الذي نريده ونجمع عليه في ظل بيئة الخصخصة للعمل الإعلامي، كيف تكون الشركات الإعلامية في خدمة الإصلاح؟ كيف تكون التنمية الثقافية سلعة تؤدي إلى الربح، وكيف يكون الانحراف والإسفاف خسارة تجارية واستثمارية؟ كيف ينظم المجتمع نفسه أو يعيد تنظيم نفسه باتجاه تعديل سياسات الإعلام على النحو الذي يخدمه؟ وكيف يمكن التوفيق بين حالة المواجهة بين المجتمعات والشركات وبين المجتمعات والحكومات وبين توظيف الإعلام لصالح المجتمع في مواجهته ونضاله؟ وكيف يوفق الإعلام بين الرسالة الإصلاحية وبين اتجاه الشركات التي تشكل مصدرا تمويليا إعلانيا يحميها من الخسارة والانهيار في الوقت الذي تكون فيه الشركات نفسها في حالة مواجهة مع المجتمع والتنمية؟
وأخيرا وهو الأهم كيف تمضي المؤسسات الإعلامية في منظومة الخصخصة ومقتضياتها من تنافسية في الاختيار والأسواق والتوظيف والكفاءات، وتخرج من حالة الازدواجية في الخصخصة في جانب والتأميم في الوقت نفسه في جوانب أخرى؟ فذلك هو الجمع بين الشرين.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد