برحيل الدكتور عبدالرحمن شقير فقد الأردن واحدا من رواد الحركة الوطنية الأردنية والعمل السياسي. فقد عاصر شقير بدايات الحياة السياسية منذ كان طالبا في مدرسة السلط الثانوية في الثلاثينيات، وكانت كما هو معلوم مركز الحياة السياسية والثقافية في الأردن في ذلك الوقت. وكان من أترابه عبدالمنعم الرفاعي رئيس الوزراء الأسبق 1970، ومنيف الرزاز، وبهجت التلهوني، وسعد جمعة رئيس الوزراء الأسبق، وسامي أيوب (وزير سابق) وعبدالرحمن خليفة رئيس الديوان الأميري ثم وزير المالية ورئيس مجلس الأعيان، ومحمد عبدالرحمن خليفة المراقب العام السابق للإخوان المسلمين ولفترة تزيد على الأربعين سنة.
درس الطب في دمشق في أوائل الثلاثينيات، وعمل طبيبا في عمان في أوائل الاربعينيات في عيادة الطبيب المشهور عبدالرحمن فرعون، وفي سورية أيضا لبعض الوقت، وفي بلدات أردنية عدة.
وشارك شقير في الحركة الوطنية الأردنية معارضا إلى جانب الدكتور صبحي أبوغنيمة، وقد اعتقل عام 1947، وكان وزير الداخلية هو عبدالمهدي الشمايلة الذي عمل على إطلاق سراحه بسرعة واستقبله في مكتبه ونصحه بعدم ممارسة السياسة، ثم اعتقل بعد شهور قليلة، وأطلق سراحه مرة أخرى بعد مقابلة مع الملك عبدالله الأول. وغادر إلى دمشق، ثم عاد إلى عمان بعد فترة قصيرة بترتيب ووساطة من الوجهاء السوريين الأردنيين، وقابل الملك عبدالله الأول بصحبة صبري الطباع.
واستأنف شقير عمله السياسي مع الأحزاب السياسية القائمة ومع الإخوان المسلمين أيضا، وإن كان أقرب إلى الحزب الشيوعي، وكان العمل السياسي بعامة وطنيا تتجمع حوله مقتربة ومتباعدة ومتآلفة الأحزاب السياسية على مختلف أفكارها وأيديولوجياتها، وذلك قبل أن تتجه وجهة سياسية وأيديولوجية قومية وأممية منذ عام 1958 تقريبا، ترتبط بأطراف خارجية.
واعتقل الدكتور شقير عام 1952 ونفي إلى الطفيلة، ثم نقل إلى الشوبك، وتعززت علاقاته بالأهالي والوجهاء من خلال عمله الوطني وفي الطب ومداواة الناس والفقراء. وتنامت صلته بجميع فئات الشعب والدولة في الأردن من مسؤولين حكوميين وحزبيين معارضين وأناس عاديين، حتى إنه كان في منتصف الخمسينيات من أكثر الشخصيات السياسية والعامة تأثيرا في الشارع والوسط السياسي.
لجأ شقير إلى دمشق عام 1954 بعد هروبه من محاولة اعتقاله، ثم عاد بعد عام إلى عمان بمبادرة من رئيس الوزراء سعيد المفتي، واستقبل عند عودته إلى عمان استقبالا جماهيريا شاركت فيه الأحزاب السياسية والشخصيات العامة والجماهير، ولكنه اعتقل بعد فترة وجيزة في سياق معارضة حلف بغداد وفي حملة اعتقالات واسعة شملت معظم الشخصيات الوطنية مثل سليمان النابلسي، وعاكف الفايز، وشفيق رشيدات، ومحمد عبدالرحمن خليفة.
وهرب شقير مرة أخرى إلى سورية متخفيا عن طريق الحمة في شمال الأردن، وعمل طبيبا في وزارة الصحة السورية، ثم عاد إلى عمان بعد إبعاد غلوب باشا القائد البريطاني للجيش الأردني، وعاد إلى عيادته التي كانت تغص بالمراجعين مما يضطره إلى إغلاقها في موعد مبكر ليتمكن من معالجة الزوار الذين يملأون العيادة، ثم اعتقل مرة أخرى وأودع في سجن الجفر.
وتوالت حياته حافلة بالاعتقالات والتخفي والهجرة والعودة والعمل العام والمهني، ولجأ مرة أخرى إلى سورية عام 1957 بعد الأحداث المشهورة في التاريخ السياسي الأردني، ثم تعرض للمضايقة في سورية فلجأ إلى بغداد عام 1958، ثم بدأ الشيوعيون يتعرضون لملاحقة شاملة في العراق وسورية فلجأ إلى تشيكوسلوفاكيا. وكان فؤاد نصار رئيس الحزب الشيوعي الأردني قد لجأ إلى ألمانيا الشرقية، ثم تبعه الدكتور يعقوب زيادين، ثم انتقل إلى موسكو، وعمل هناك في الترجمة، ثم عمل طبيبا في وزارة الصحة السوفياتية، وأكمل دراسته التخصصية في طب الأطفال.
وفي أوائل الستينيات عاد إلى دمشق، حتى صدر العفو العام عام 1965 فعاد إلى عمان وكان رئيس الوزراء هو المرحوم وصفي التل.
وتواصلت حياة شقير العامة والمهنية حول العالم إلى أن استقر به المقام في عمان، ليمضي سنواته الأخيرة في مرحلة من التقاعد والتأمل، لكن بيته في جبل اللويبدة ظل حتى وفاته مقصدا للقادة والنشطاء.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد