قال عنه ياقوت الحموي "نهر عظيم، غزير المياه، وفيه سباع كثيرة مذكورة بالضراوة، وتكثر حوله النباتات الملتفة وأشجار القصب" ومازال الناس يتذكرون سوق السمك الذي كان مقاما بجوار "السيل" في عمان والذي كان يجلب إليه الصيادون السمك لبيعه.
نفهم أن يتسع العمران ويزداد عدد الناس حول النهر، فهذا شأن الحياة والعمران، ولكن ما ليس مفهوما هو كيف تدمر المدن التي تقوم على النهر والذي يفسر قيامها ويبرره نهرها، كأنها لم تعد بحاجة إليه.
في مرحلة من النمو الصناعي والعمراني تلوث نهرا التايمز (الذي تقوم عليه لندن) والسين (الذي تقوم عليه باريس) بالطبع ليس إلى الحد الذي يحولهما إلى مكرهة صحية، وتراجعت الحياة المائية في النهرين. لكن السلطات "سلطة نهر التايمز وسلطة نهر السين كما تسمى رسميا" أعادت تأهيل النهرين، واتخذت سلسلة من السياسات والإجراءات وعمليات الصيانة حتى عادت الأسماك إلى النهر، بل وبدأت الحيتان تأتي من المحيط الأطلسي إلى نهر التايمز بحثا عن الأسماك والغذاء، وهذا مؤشر على الحالة الصحية التي عاد إليها النهر. وفي وسط لندن المزدحم والأغلى في العالم، تسير أمتارا قليلة فتجد نفسك في وسط غابة محيطة بالتايمز وكأنك في مناطق معزولة من العالم.
ليس هناك علاقة منطقية ضرورية بين جفاف النهر وتلوثه وبين النشاط العمراني والصناعي، بل المفروض هو العكس، فهذه المدن التي تقوم على الأنهار ومصادر المياه يرتبط بها بقاؤها وازدهارها لأنها بتدمير مصادر المياه تلغي نفسها. والمطلوب ببساطة ووضوح هو حماية مسار النهر وروافده ومصادره لتبقى كما في التاريخ والجغرافيا "حرم الوادي" الذي لا يمكن أن يكون ملكية خاصة، ولا أن يقام فيه أي شكل من أشكال البناء، وتخطط الأحياء والمباني لتتجه مياه الأمطار والمسيلات تلقائيا في مسارها الذي يفترض ألا تعترضه مبان ولا شوارع، وهذا ليس أمرا صعبا، بل العكس فإنه يقلل الخسائر والتكاليف، ذلك أن مجرد انزلاق طفل سيؤدي به إلى عبارة عملاقة لن تنقذه منها كل وسائل الإنقاذ المتوافرة لدينا، ولا يبقى ثمة أمل سوى انتظار جثته في سد الملك طلال، ولكن ابتعاد الإعمار عن هذه الأودية سيحمي حياة الناس ويحافظ على مصادر المياه أيضا ويديمها. وانسجام مخططات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار مع الطبيعة والبيئة سيبعد مياه الأمطار عن شبكة المياه العادمة، والشبكة نفسها عندما تصمم على نحو ملائم للطبيعة فإنها لا تحتاج إلى تقنية وضخ ورفع للمياه عن منسوبها، وبالتالي فلن تحدث اختناقات في هذه الشبكات لأنه بذلك يمكن تقليل إلى الحد الأدنى وصول مياه الأمطار والمواد الصلبة إليها والتي تفوق قدرتها على الاستيعاب ولا تناسب طبيعة تصميمها وأغراضها.
إنك ترى في أحياء عدة في المدن الأردنية، التي أنفق على بنائها وتخطيطها المليارات، شبكات الصرف الصحي متفجرة في كل مكان وتفيض بالروائح والقاذورات وكأنك في مناطق بدائية متخلفة، والسبب ببساطة هو مناطحة البيئة والجغرافيا والإصرار على تحديهما، فكثير من البيوت والعمارات لا ترتبط بشبكات الصرف إلا بالضخ الكهربائي لأنها مبنية تحت مستوى الشبكات، ولا يريد الناس والمخططون أن يعرفوا أن الأمطار تسقط في الشتاء وأنها يجب أن تسلك في أودية ومسارات طبيعية، ويجب أن تبقى متروكة لها وإلا فإنها ستبحث عن أي ثغرة في الشوارع والمنافذ المتاحة وتلقي فيها ما تحمله من حجارة وتراب..!
مشروعات الإعمار والتنمية بصيغتها وفلسفتها القائمة تؤدي إلى خسائر تفوق فوائدها، وهذا التخطيط المبني على تجاهل المكان يبدو انتحارا وتدميرا للذات.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد