جلس الشيخ وقوراً وقد استنارت جبهته التي تشهد تجاعيدها تأريخا عريضاً من الشموخ والإباء!
جلس يتحدث عن أنهار الهداية التي غيض ماؤها في زمن الانكسار والذل.. وهنا بدأت الكلمات تخرج من فيه .. كلا والله لم تكن كلمات بل كانت حبات من جمّان!
إليك هذه الكلمات اللآلئ التي تحدّرت من فم أحد أساتذة الجيل وهو يتوقف مع آيات في زمن نسينا فيه الآيات وأتخذ قومنا -كثيرٌ منهم- هذا القرآن مهجورا!
يقول شيخنا هذه الآية تستوقفني (وكثيراً ما تستوقفه الآيات لأنه يقرأها بقلبه لا بلسانه) ولا استطيع أن أتجاوزها:
(فخلف من بعدهم خلفٌ ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون).
يا لله.. انهم خلف.. جيل جديد يحمل نفس الأسماء والألقاب والأنساب لسلفهم الأول من العظماء! ولكن، ولكن ماذا؟! إنهم ورثوا الكتاب! نعم ورثوه فقط كما يرثون تحفة من تراث أو قطعة من أثاث أو وهذا احسن حالهم كما تتوارث الأجيال الرُّمَى والتمائم!
 هذا هو الداء يا سادتي إننا معاشر أمة الإسلام كثير منا ورثنا الكتاب، ولم نحمل الكتاب ولم نملأ بهذا الكتاب قلوبنا وحرك به ضمائرنا اننا ورثناه كما نرث المال أو قطع الاثاث يقرأه الأئمة في مساجدنا، ويتلوه القراء في منابرنا وتفتتح به إذاعاتنا ولكن هل قرأناه حقيقة!
 إن الإجابة تأتي من عند الخبير اللطيف الذي كانت أول كلمة أنزلها هي: (إقرأ)! دعونا سادتي نتساءل سوياً عن قراءة نبينا هل كانت مثل قراءتنا! إن القرآن حول النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنموذج رباني يحمل صفات البشر ولكنه يكاد يقترب من نورانية الملائكة: القرآن كان خلقه! إذا صمت علمه القرآن أن ينظر في كتاب الله المبثوث في الكون! إذا تكلم علمه القرآن الصدق وقول الحق، وإذا حكم علمه القرآن أن يعدل بين الناس، وإذا اتصل في صلاة بخالقه كان ذلك قرة عين.. وإذا جاءته الدنيا ليتزحزح قليلاً عن مبادئه رد بصوت يسمع الدنيا: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أبدل هذا الأمر ما فعلت أو أن أهلك دونه!
ودعونا نتساءل مرة أخرى هل القرآن كان بهذا الأثر لأن قارئه نبيٌ؟! كلا بل أن القرآن كان أثره على ذلكم الجيل الفريد كله إذن ما السر؟!
السر هو أنه صلى الله عليه وسلم ربّى نفسه وصحبه الكرام بهذا القرآن حتى أصبح في حسهم وضمائرهم! إذن هي التربية!! التربية التي جعلتهم من كلهم وفي الغالب الأعم ذوي أخلاق قرآنية.
 إن الله العليم بنفس الإنسان ودهاليزها المظلمة وإشراقاتها المختبئة وراء جبال الشهوات يعلم أن هذه النفس تحتاج إلى تدرج في تربيتها مرة بالخير وأخرى ببلاء يظهر لأول وهلة أنه شر، والقرآن يتنزل تترى يفهم ويوضح الحقائق ويبين، والمربي الأعظم يشتغل: يغير التصورات، يبدلها حتى تعود المحن منحا عند أصحابها، وحتى يعود العطاء حباءً، والمنع حمية كما عبر أحدهم: إذا أعطاك فقد حباك وإذا منعك فقد حماك!
إن القرآن فعل ذلك كله بالتربية وكانت المسافة بين نزول قوله تعالى :(إقرأ) وبين نزول قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك..) كانت المسافة هي نفس المسافة بين الإيمان العقلي الذي لا يتجاوز كونه صورة ذهنية فكرية باردة لا تتجاوز العقل إلى علم يقيني راسخ كرسوخ الجبال يجعل الواحد يُسلَخ جلده ويُهشَّم عظمه وهو راضٍ مطمئن!!
والآن هل عرفت سيدي القارئ أننا مجرد ورثة للكتاب، إن أوتي أحدنا عرض من الدنيا أخذه مطمئناً إليه دون مبالاة بحلال، أو حرام.. المهم هو العرض!
أليست معظم السياسات في عالمنا الإسلامي تبحث عن عرض؟! أليس شبابنا أكثر غايتهم القفز في المدرجات و(النطنطة) خلف الممثلين والممثلات؟! إننا ورثناه ونسينا كما نسي بنو إسرائيل قبلنا العهد بأخذهم الكتاب والعمل به.
 يا شيخ كم أحبك؟! إنك دائماً تأتي بالدواء الصحيح في الزمان الصحيح في المكان الصحيح.. وهذه حكمة أساتذة الجيل!!
 شخَّص شيخنا المشكلة وهل يدعنا في انكسار وهو الشامخ؟! وهل يتركنا نتخبط وهو المهتدي بنور الكتاب عقوداً وأزماناً؟!
 يا من إلى الله ندعو
وترتجى منه عفواً
 هديتنا لكتابٍ
يضيء قلباً وفكراً
أخذني ذلك الشيخ الوقور إلى الواقع عفواً سادتي إلى الزبد!
 إن الطائرات وهديرها.. زبد!
 إن الصواريخ ورجمها.. زبد!
 إن الانتعاش والانتفاخ اللذين يمارسهما هؤلاء المجرمون زبد!
 إن عربدتهم في الفلوجة.. وغزة.. والقدس.. زبد!
يا سادتي إن السيل يأتي بقوة.. هناك داء يستوعب منه قليلاً وهناك آخر يبدد السيل ويحوله إلى ينابيع تبث الحياة هنا وهناك.. وفي كل هذه الأودية لا ترى الظاهر من فوق إلا.. الزبد!! السيل قد يستقر في الأرض فتخرج بركاتها.. وقد يمضي بهدوء إلى حيث ينفع البشر ولا تكاد تسمع له صوتاً ولكنك ترى الزبد.. فأين يذهب الزبد؟! يطير جفاءً وماذا.. يمحى من الأرض ويتبدد من الوجود ويذهب إلى فناء!! أما ماء السيل فيمكث في الأرض!!
(أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
 إن الذهب تصهره النار ليصفى وينقى وأما الزبد فيذهب مع الشوائب!
يا سادتي إن الأمة اليوم كثر الزبد حولها وأظنها قاربت الوصول إلى قعر وقاعٍ لن توغل نزولاً أكثر منه لقد سقطت بغداد عام 656هـ وكان التتري يُبقي المسلم خائفاً قد وضع رأسه على الحجر لا يتحرك حتى يذهب إلى بيته ويأتي بالسيف فيقتله والمسلم خائف لا يتحرك..
إلى هذا الذل وصلنا، ولكن الفارق بين تلكم الأيام وأيامنا قضيتان
 الأولى: إن الذل والانكسار لم يكن عاما في كل الأمة فبينما هذا الواقع في بغداد تجد دولاً وعزا في الاندلس وغيرها ثم أن الأمة لم يكن حس العقيدة غائباً عندها بل كانت المعلومة هي الغائبة عنها ولذلك قد لا تنتصر لبعضها البعض، وهذه هي القضية الثانية فإننا نرى اليوم الفلوجة تشرد أهلها في شمال العراق وجنوبه وغربه وملأت مئات الخيام الصحراء الباردة حتى وصلت الخيام إلى أماكن لا ماء فيها ولا اناس والطفل يبكي والأرملة تصيح والشيخ احدودب ظهره من الألم والقهر والموتى تتناثر جثثهم هنا وهناك..
وأين الأمة؟ في مدرجات الكرة! أمام الشاشات! في الأسواق الصاخبة! وأين الساسة يبحثون مع لارسن وسولان وباول عن دهليز مظلم في أحد عواصمهم يلملمون القضية الفلسطينية التي اجتمع عليها أوروبيوهم وأمريكيوهم بطريقة مثيرة لماذا؟
 لم أملك إجابة إلا أن القوم رأوا ذل أمتهم الصليبية في الفلوجة وبقاء المقاومة الشرسة إلى ساعة كتابتي هذه (الثلاثاء 17 شوال) وخافوا! وارتعدوا أن تتمدد المقاومة في اتجاه الغرب، فلا بد أن يتخلصوا من أحرار القدس و(يشكموهم) قبل أن يصل إليهم أحرار الرافدين!
شيخي.. أمتي مع كل هذا النزول إنني أرى جيلاً يعلو هديره على هدير الطائرات، ويسبق يقينه سرعة الصواريخ!! يستقرئ بهذا اليقين موعود الله ويجهز نفسه لملاقاة الفجر.. إنني أرى براعمه قد أدلجت.. قد بدأت تودع السحر وظلامه.. تودع ذلك إلى سواعد تؤمن بالقوة معنى وسلاماً وفكراً وبدأوا يرددون بلسان حالهم وأقوالهم: (وأعدّوا).
نم قرير العين يا أستاذ الجيل! فالجيل - إن شاءالله- قادم!!
 
 
 

المراجع

عودة و دعوة دوت كوم

التصانيف

عقيدة