أحتفظ من دبي بذكريات جميلة، من تلك الأيام التي كانت شوارعها قليلة، وبحرها المفتوح على الفضاء، وناسها القليلون الهانئون، ومطارها الحميم مُحدد الأرجاء، وسوق سمكها الطازج يُقدّم للفجر وعد وليمة فاخرة، وخورها يمدّ لسانه في وجه الصحراء، وصحافيون ومثقفون عرب هاربون من قهر بلادهم وصخبها إلى ملاذ الأمان والهدوء.
أحتفظ بكلّ هذا، وأكثر، لهذا فضّلت البقاء في الفندق أتأمل تفاصيلها الجديدة من نافذة الغرفة في الطابق الثامن، فالحبيب خاف هنا من لقاء حبيبته بعد فراق ربع قرن، وخشي من مفاجأة آثار الزمن المتحوّل، بعد أن عرفت غيره الكثيرين فعشقتهم، وعرف غيرها العشرات فعشقهنّ، فلعلّ طعم القبلة اللذيذ الآسر الذي تعوّد عليه منها بات يحمل نكهة مغايرة.
في دبي نشرت أول خبر، وفيها أجريت أول مقابلة، وكتبت أول مقالة، وأصدرت أول كتاب، وكان حنانها عليّ يستغرق مساحات شاسعة من قلبي، ودفء معانقتها يجتاح وجداني، وحين غادرتها ذرفت دمعة بعد أن وعدت صديقي الشيخ حشر مكتوم بأن أعود سريعاً، ولكنّ السرعة خذلتني فها أنا أزورها ولا أعود، بعد ربع قرن من الزمان
وفي آخر ليلة السفر غلبني الحنين لمنزلي، ومنزل والدي، وجريدتي، فأخذني اليها لأكتشف أن الأول محاط بالناطحات، والثاني ضمن منطقة تطوير وقد يُهدم، أما «البيان» التي حافظت على مشهدها الخارجي بدت غيرها من الداخل، ولو لم يعرفني أحد قُدامى الزملاء لظننتُ أنني في مكان آخر، ولا يبقى لي، إذن، من حبيبتي دبي غير الذكريات، مجرد ذكريات.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة باسم سكجها جريدة الدستور
login |