جغرافيا الفقر
بالأرقام يظهر توزيع الفقراء البالغ عددهم 867 ألف نسمة، أن غالبيتهم يتواجدون في المدن ذات الكثافة السكانية وهي: العاصمة، إربد، والزرقاء، بنسب تبلغ على التوالي 31، 19،15 %، حيث تبلغ نسبة الفقراء في المدن الثلاث ما نسبته 65 % من إجمالي الفقراء في المملكة.
مشكلة الفقراء في هذه المناطق أن معدلات التضخم في مدنهم أعلى منها في المحافظات، نتيجة اختلاف نمط الحياة، ما يجعل فقرهم أقسى، وعصيا على العلاج، خصوصا أن خط الفقر غير الغذائي للفرد يبلغ 39.8 دينار شهريا، بمعدل 1.3 دينار يوميا.
وكل من يعيش في هذه المدن يستطيع القول إن هذا المبلغ لا يكفي لتغطية قيمة الغذاء فقط، فكيف يتدبر الفقراء تكاليف الاحتياجات الأخرى من ملبس، ومسكن، وغيره؟
إنصاف فقراء المدن الكبرى مع الأخذ بعين الاعتبار معدلات التضخم، مقارنة بالمناطق الأخرى بحاجة إلى مقياس مختلف للفقر تبعا لمتطلبات المعيشة، فالأسعار في العاصمة بالتأكيد لا تقارن بالمحافظات، ووضع جميع الفقراء ضمن معيار واحد فيه ظلم لهم، فوق ظلمهم.
المفارقة أن تركّز الفقراء في المدن الثلاث، يقابله تركّز جيوب الفقر التي حددها تقرير حالة الفقر في الأردن والبالغ عددها 27 جيبا في المحافظات الأخرى، ما يعني أن حدة الفقر في المدن الرئيسية تبقى أقل من المحافظات الأخرى رغم تفوقها عدديا.
النسبة المتبقية من فقراء الأردن، والبالغة 35 % تتوزع على المحافظات التسع المتبقية، بنسب متفاوتة أعلاها في العقبة 10 %، فيما يتواجد 2 % من الفقراء في الطفيلة، وتتراوح النسب في باقي المدن بين نسب محافظتي العقبة والطفيلة.
جيوب الفقر التي تتواجد في المحافظات التسع تعاني من معدلات فقر مرتفعة، حيث تزيد نسبة الفقر في خمس منها على50 %، فيما تتراوح النسبة في عشر منها بين 30 – 40 %، ولم تفلح كل البرامج الحكومية التي بدأت منذ سنوات بإخراج هذه المناطق من قائمة الجيوب.
التعداد السكاني في المحافظات، وتحديدا في الجنوب، قليل، ورغم ذلك يكابد أهلها ظروفا صعبة، وقاسية، ووجود كل ثروات الأردن في مناطقهم لم يشفع لهم بالخروج من دائرة الفقر.
السؤال التاريخي: لماذا يرزح سكان هذه المناطق تحت وطأة الفقر، فيما أرضهم تعج بخيرات كثيرة منها الفوسفات والبوتاس ومياه الديسة، إضافة إلى الواجهة البحرية الوحيدة للأردن، وهي ميناء العقبة، ومدينته الساحلية السياحية؟
ولماذا فشلت كل الحكومات في تحقيق نقلة في حياة أناس هذه المناطق؟ وهل تعود الأسباب كما يرى البعض لفشل السياسات الرسمية، أم إلى ثقافة المجتمع المعتمد على غيره الرافض للعمل والإنتاج، حسبما يؤكد آخرون؟
هل أدى تخلي القطاع الخاص عن مسؤوليته الاجتماعية إلى تراكم مشاكل هذه المناطق لدرجة استعصت على الحل، وعمّقها تراجع التعليم في مختلف المناطق، الأمر الذي قلل من فرص أبناء هذه المجتمعات في الخروج من مستنقعي القلة والعوز؟.
تبريرات الفشل كثيرة، وبغض النظر عن خريطة الفقر وتفاصيلها، إلا أن الجميع يعانون، ومشكلة الفقر بتزايد، والتفسير الوحيد في استعصاء الحل يكمن في أن وصفات العلاج كانت غير صحيحة، وأن العلاقة الزبائنية والريعية التي ربطت الفرد بالدولة يلزم تغييرها تدريجيا، للوصول إلى معادلة جديدة في حل المشكلات ترتكز على الإنتاج.
بعد ذلك ستظهر معطيات مختلفة تؤكد أن حل المشاكل لا يكمن في حلول تخديرية تقدمها العلاقة الريعية غير المنتجة.
دعونا نبدأ بتغيير الوصفة، لعل وعسى أن نحصل على نتائج مختلفة.
بقلم جمانة غنيمات.
المراجع
jo24.net
التصانيف
جمانة غنيمات صحافة العلوم الاجتماعية الآداب