بدأت عمليات الإرهاب في الأردن منذ عدة سنوات تعتمد في تنفيذها وتخطيطها على غير الأردنيين. وكانت عملية تفجير الفنادق، وقبلها عملية العقبة، "غير أردنية" بامتياز، تخطيطا وتنفيذا، كما من الناحية اللوجستية؛ ولكن مازال الأردنيون، على الأقل حتى التاسع من تشرين الثاني، يؤيدون العنف في العراق، وكان ثمة استعداد لدى البعض للتطوع في العراق.
هل ستكون العمليات الأخيرة نقطة انعطاف وتحول لدى الأردنيين تجاه العنف في جميع أنحاء العالم؟ وهل سيبدأ التمييز المنهجي والعلمي بين المقاومة والعنف الشامل والغبي الأعمى تحت غطاء المقاومة؟
لقد بدأ التحول الأردني تجاه العنف قبل عمليات الأربعاء، بدليل انحسار المشاركة الأردنية في العنف في السنوات الخمس الماضية. وربما يكون ذلك قد حدث في تطور طبيعي ومتدرج، ناشئ عن مجموعة من التفاعلات والسياسات والبيئة السياسية والاجتماعية العامة، وهو ما حدث أيضا في دول أخرى؛ بل إن جماعات كثيرة أجرت مراجعات مهمة في تفكيرها وسياساتها ومواقفها. ويمكن، برغم الألم الشديد والصدمة الناشئة عن عمليات التفجير الأخيرة، القول بقدر كبير من الاطمئنان ان موجة العنف والإرهاب متجهة إلى الانحسار، وان العمليات الأخيرة تؤكد أنها تعاني من إفلاس سياسي وفكري وأخلاقي، وأنها تنحدر نحو العزلة والعداوة مع المجتمعات التي يفترض أنها تمثل المجال الذي تستمد منه قوتها وتأثيرها.
ولكننا نحتاج اليوم أن نواجه أنفسنا بأسئلة أكثر صراحة وقسوة: إن من بين من يستنكر ويرفض ما حدث في عمان هناك من كان يؤيد العنف الأعمى في العراق، والذي لم يكن يميز بين العراقيين والمحتلين، وبين المدنيين والعسكريين! وكان هناك من يرى أيضا في العمليات الانتحارية شجاعة وشهادة، برغم غرابتها وشذوذها وعماها في أغلب الحالات والمواقف.
صحيح أن ثمة فرقا بين ما يحدث في العراق والأردن، ولكنه فرق لا يسمح بقبول وتأييد العنف الشامل والأعمى، والذي روع العراقيين ودمر حالة الاستقرار والأمن وقدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات الأساسية التي يحتاجها جميع الناس ولا يستغنون عنها، بل إن ذلك العنف أطلق حالة من الفوضى وعصابات السلب والخطف والفساد، حتى إن حوالي نصف القتلى المدنيين في العراق يعود سبب مقتلهم إلى عمليات جنائية وشخصية لا علاقة لها بموقف سياسي للقاتلين والمقتولين.
واليوم، وقد امتد إلينا العنف الأعمى من العراق، ومن العصابات التي كنا نتجادل حول صحة ما تقوم به، فإننا نحتاج إلى مراجعة موقفنا مما يدور في العراق، فالإرهاب لم يعد عراقيا أو أردنيا، ولم تعد حصوننا معزولة عما يجري حولنا، ولم يعد موقفنا الإعلامي والشعبي من العراق ترفا فكريا وجدالا سياسيا وتمرينا فكريا، ولكنه موقف يمتد إلى حياتنا اليومية، وينعكس على الإرهاب ومواجهته، سواء في بلادنا أو في العالم. ومن ثم، يحتاج أولئك النفر الذين يدافعون عن قتل المدنيين، وتفجير المؤسسات والمحلات التجارية والمطاعم في العراق، إلى مراجعة ذاتية صريحة مع أنفسهم، وأن يلاحظوا أن مواقفهم كانت معزولة عن الشعور بالألم الحقيقي والمعاناة التي يعيشها الناس في العراق وفي كل مسارح العنف. ولنعترف اليوم أن التضحية بالعراق والعراقيين لأجل ضرب الولايات المتحدة -كما كان البعض يبررون ما يدور في العراق- هي حالة من المرض والهوس لا تقل عما يعاني منه الإرهابيون والمتطرفون أنفسهم، وأنها تقريبا حالة واحدة.
نحتاج اليوم، نحن الأردنيين بخاصة، إلى إعادة فهم ومراجعة، وأن نرهق أذهاننا وعقولنا بالبحث والتفكير؛ فالأفكار المبسطة والجاهزة التي كان يتبرع بها كتاب وسياسيون ووعاظ وقادة رأي وفكر لم تكن سوى تملق رخيص للمشاعر والعواطف، وازدواجية مرضية خطرة بين السلوك والتفكير، وغيبوبة استثمارية وتسلية شائعة على غرار موجة التسلية الشائعة والكاسحة، لا تختلف أبدا عن "الفيديو كليب"، وأن نسأل بجدية ونلاحظ بمنهجية وأن نسمع بآذاننا ما يجب أن نعرفه وليس ما نرغب في أن نسمعه.
لقد نشأ هذا العنف في مسار يشبه الزاوية الحادة التي تبدأ بافتراق قليل بسيط عن الأصل، ولكنها مع الزمن والممارسة وصلت إلى نقطة بعيدة عن الأصل المفترض أنها ترجع إليه، وهذا موضع اللبس والجدل الذي لا نستطيع تجاوزه، وتلك قضية أخرى تحتاج إلى مساحة إضافية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد