في ورقته النقاشية الثانية، رسم الملك الطريق للحكومات البرلمانية. وأكد أن الأردن كنظام ملكي، وكذلك المغرب، يقومان على تشكيل حكومات تمثّل الأغلبية البرلمانية، وفي حالة المغرب اُعتمد على الأحزاب لتطور الحياة الحزبية هناك، وعلى الكتل النيابية في الأردن نتيجة ضعف الحياة الحزبية.
ونجاح خريطة الطريق الملكية بحاجة إلى وجود أحزاب سياسية قوية تكون هي الأداة الأهم في تكريس فكرة الحكومات البرلمانية، وتحقيق الغاية بحاجة لإرادة قوية، رسمية قبل الشعبية، لتجاوز هذا الضعف. أردنيا تأخرت الأحزاب عن اللحاق بالحياة السياسية وتطوراتها، وهذا مرتبط بأسباب كثيرة؛ لعل أهمها مرحلة الأحكام العرفية التي عاشها البلد لسنوات طويلة، وأدت إلى وأد العمل الحزبي، حتى السّري منه. ولم يساعد الموروث التاريخي بجعل الناس تعود عن عزوفها عن الانضمام للأحزاب، بعد أن شهد العمل الحزبي قمعا ومحاربة من كثير من مؤسسات الدولة. ورغم كل السنوات الماضية في الحديث عن أحزاب قوية، لم تتمكن ماكينة الدولة بكل طاقاتها من معالجة المجتمع من "رهاب" الأحزاب، ما جعل المجتمع يمضي في مقاطعتها، خوفا أو عدم اقتناع بها. كذلك، أدت العلاقة القوية بين الحزب الأقوى، وهو جبهة العمل الإسلامي والدولة، الى إضعاف باقي الأحزاب، خصوصا أن التحالف التاريخي بين الدولة والإسلاميين (أو البوليس الثقافي كما كان يُطلق عليهم)، خلق عداء تجاه باقي الأحزاب، التي ظلت في خندق آخر، ولم يسمح لها بالنمو والتطور في ظل هذه المعطيات. أما المعطيات الأخرى التي حالت دون تطور الحياة الحزبية، فتتعلق بالحالة الأمنية التي سادت والتي أرعبت مختلف أطياف المجتمع من الانخراط في العمل الحزبي.
كثيرة هي الأمثلة في مجتمعنا على القصاص الذي وقع على كثيرين لأن أحد أبناء عمومتهم كانوا في حزب ما في حقبة ما، الأمر الذي طال الآباء وجعلهم متخوفين على أبنائهم من العمل السياسي فحذروهم منه كثيرا.
بالضرورة ساهم غياب المفاهيم الحزبية والثقافة الحزبية عن المناهج التعليمية بخلق أجيال لا تدرك أبدا معنى الحزب وأهمية وجوده أو الانضمام إليه. الارتباك لم يكن عند المجتمع وحده، فالدولة تخبّطت كثيرا في هذا الملف؛ حيث وضعت عشرات التصورات لقانون الأحزاب، وفي كل مرة كانت الصيغة مختلفة، ما قتل فرص تطوير الحياة الحزبية. فوبيا الأحزاب ظلّت حاضرة ومسيطرة على المشهد الحزبي، ومعالجة هذا التشوه بحاجة لجراحة عميقة، تبدأ من مراجعة قانون الانتخاب مستقبلا، بحيث تدخل تعديلات جذرية على القائمة الوطنية، لتكون حصتها من عدد مقاعد المجلس حوالي النصف، وجعلها قائمة مفتوحة، بحيث تصل للقبة شخصيات حزبية مقنعة للمجتمع. بهذه الطريقة يمكن لنا أن ننعش الحياة الحزبية، لناحية خلق بيئة مواتية لتطور الأحزاب، وليس خنقها والتضييق عليها، خصوصا أن وجود أحزاب قوية قادر على إنهاء الثنائية التي طالما شكونا منها بين الدولة والإسلاميين، كما أنها أساس لنجاح الرؤية الملكية، في الانتقال إلى الحكومات البرلمانية الحقيقية. الكتل البرلمانية التي سنشهدها في مجلس النواب المقبل، لربما تكون تجربة نتعلم منها كيفية تطوير الأحزاب وإن كانت غير ناضجة، وبحاجة إلى مأسسة عبر نص قانوني يعترف بها في النظام الداخلي لمجلس النواب. اليوم غالبية الأردنيين يتحدثون في الشأن العام ولهم رأي في الدستور وتعديلاته، والسياسة الخارجية والنهج الاقتصادي وتحديدا الضرائب، وكذلك الفساد والتعليم والقضاء، وغيرها من الملفات التي تمس حياتهم.  ولا تكاد سهراتهم تخلو من حوارات حول هذه القضايا، لكن يقابل كل هذا التفاعل المنطقي، إحجام عن العمل الحزبي؛ إذ نجد أن نسبة 90 % من الأردنيين ليسوا أعضاء في الأحزاب. تأسيس الأحزاب وبناؤها أمر ليس هينا، ولا يتم بمنطق فزعة تحتاجها البلد، بل هو ضرورة للجميع حتى نتوقف عن الكلام في إطار نخبوي ضيق، ونبدأ بإسماع صوتنا للآخرين.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة