تشير التجربة في العراق وليبيا ويوغسلافيا على أن النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية يمضي في إعادة صياغة المشهد الدولي، وأن المعادلة السابقة التي أتاحت لبعض الدول فرصا وهوامش ومكاسب سياسية وإقليمية ستنتهي وبأثر رجعي، وسيكون لعبا في الوقت الضائع المماطلة في إعادة ترتيب التركة السوفياتية، وقد استفادت سورية بعض الوقت بسبب حرب الخليج الثانية والمقاومة اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، ولكنها استنفدت هذا الوقت على الأغلب، وتحتاج إلى مفاجآت جديدة للاستمرار في التأثير المباشر في لبنان.
صحيح أن سورية انسحبت من لبنان، ولكنها تحتاج لتصفية تركتها أيضا، وسيكون ذلك مكلفا بالتأكيد، ولا تحتاج الولايات المتحدة لأدلة دامغة أو قانونية على تورط سورية أو مسؤولين سوريين في اغتيال الحريري، فالمسألة متعلقة بالتراتيب السياسية والإقليمية، وتستطيع الولايات المتحدة أن تجد أي ذريعة لهذه الضغوط أو أن تفتعلها إذا لزم الأمر، ولذلك فإن النقاش حول قيمة الأدلة والمعلومات الواردة في التقرير سيكون مثل الطرق على الحديد البارد.
ما المطلوب من سورية أميركيا؟
التسريبات الصحافية عن صفقة أميركية سورية تبدو مضامينها لا تستحق الصفقة والترتيبات، وإن كانت ثمة صفقة بالفعل فإن ما نشر عن محتواها ليس هو الموضوع الأساسي بالتأكيد، لأن ما يقال عن دعم المقاومة العراقية وحزب الله والمنظمات الفلسطينية المعارضة للتسوية وللسلطة الفلسطينية انتهى تلقائيا قبل ميليس ولا يحتاج لصفقة، فيبدو واضحا اليوم أن سورية لا تقدم دعما للمقاومة العراقية، وكان حزب الله بحاجة لسورية عندما كانت موجودة في لبنان، ولا يحتاج لدعمها الآن، وهو مستعد أيضا أن يكيف نفسه مع المرحلة السياسية الجديدة، ولن يكلفه ذلك شيئا، وسيبقى الشريك المهم في المعادلة والخريطة اللبنانية في جميع الظروف والأحوال، والمنظمات الفلسطينية وبخاصة حماس متجهة للمشاركة في العملية السياسية في فلسطين، ولم يعد الدعم السوري قضية تحتاج لضغط، هذا إن كانت الولايات المتحدة قلقة بالفعل من الإيواء السوري لهذه المنظمات.
المطلوب من سورية على الاغلب هو أكثر مما يمكن للنظام السياسي أن يقدمه، لأن المطلوب هو تغيير النظام السياسي برمته وإعادة صياغة القوى السياسية والاجتماعية والأمنية في سورية، فكما كان المطلوب في العراق هو ترتيب وضع تكون الحصة الأكبر فيه للشيعة ويكون للأكراد دور كبير ومرجح في التنافس أو التوازن الشيعي السني، فإن سورية كما هو معلوم شهدت تركيبة اجتماعية وسياسية وقيادية منذ السبعينيات، ولن يكون سهلا على النظام السياسي في سورية القبول بالتراتيب الجديدة لأنها تعني خسارته كل شيء، فإذا كان سيخسر كل شيء فلماذا يتم الأمر بسلام وهدوء؟ وهذه كانت فكرة النظام السياسي في العراق فإذا كان المطلوب من القادة العراقيين السابقين تسليم كل شيء بما في ذلك أنفسهم للمحكمة فلن تكون الحرب كلفة إضافية.
بالطبع فإن الولايات المتحدة ليست مستعدة لمغامرة عسكرية ثالثة بعد أفغانستان والعراق، ولكنها ليست مستعجلة أيضا، فكما احتاج إسقاط النظام السياسي في العراق إلى حوالي أربعة عشر عاما، واحتاج إسقاط نظام طالبان إلى ثماني سنوات، واحتاج نظام ميلوسيفيتش إلى عشر سنوات، فإن خطة تغيير النظام السياسي في سورية قد تستغرق مدة زمنية مشابهة، وإذا افتدت ليبيا نفسها بمليارات الدولارات وتسهيلات نفطية كبرى فإن سورية قد يكون المطلوب منها لافتداء نفسها تقديم تنازلات في الجولان وبحيرة طبرية، وتخفيض عدد افراد الجيش السوري واعادة تركيبه. وعلى روح الحريري وكمال جنبلاط وآلاف المواطنين السوريين واللبنانيين والعرب السلام، والفاتحة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد