دروس وعبر 

رغم الملاحظات على العملية الانتخابية، والتي تقرّ الهيئة المستقلة للانتخاب أنها لم تكن مثالية، إلا أنها مع ذلك كرّست حالة مختلفة، بعد أن ركزت على معايير النزاهة لأعلى درجة ممكنة.

 

وبعد إعلان النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب السابع عشر، ثمة دروس يمكن استخلاصها من مخرجات الصناديق.
أهم هذه النتائج تتمثل في أن الطرح الإقصائي الذي قدمه بعض المترشحين للانتخابات لم يكن مقبولا من المجتمع الأردني بكل أطيافه. ودليل ذلك النتائج المتواضعة التي حصدها هذا الخطاب وأصحابه من صناديق الاقتراع.

 

فبناء أردني قوي متصالح، بحاجة إلى خطاب وطني جامع؛ لا يفرق بين مكونات المجتمع، ويقوم على أساس المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص والإخلاص للوطن.
كذلك، نستخلص أن شخصيات تقدم نفسها على أنها قيادات للمجتمع والشارع، وممثلة للشعب -وهي بالطبع ذات أسماء رنانة وكلنا نعرفها- لم تكن كذلك في صناديق الاقتراع. إذ تبين أن لدى هؤلاء رصيدا ضعيفا، يعكس وهن إيمان الناخبين بهم وببرامجهم وطروحاتهم.

 

فبعض الأسماء ثبت أن الصيت الذي اكتسبته لم ينجح في اختبار الصناديق، ولم يحصلوا من القواعد التي يدّعون زعامتهم لها وقدرتهم على قيادتها، إلا على القليل، لدرجة أن تواضع أعداد الأصوات التي جنوها لم يمكّن بعضهم من الحصول على مقعد في المجلس النيابي، أو نالوا مقعدا واحدا بالحد الأعلى.
هذه النتيجة تتطلب من الجميع الوقوف والتفكير في ماهية النخب التي تقود أمرنا، بحيث تدرك الأغلبية الصامتة التي لم تتحرك بعد لتكون جزءا من العملية السياسية، أن السلبية لم تعد تنفع، بعد أن تُركت الساحة الكبيرة للقلة النشطة لتنتهز الفرصة في حجز مواقع قيادية.

 

ومما سبق نعلم أنه لو تمكنت القوى الإصلاحية من توسيع انتشارها، لتسنى للأردنيين إفراز قيادات جديدة، تعكس مصالحهم وتتبناها؛ فالتغيير في النهاية من الشارع وليس من أي طرف آخر.
الاختبار كان صعبا وقاسيا، ولم تتوقع هذه القيادات -حتى في كوابيسها- أنّ هذا ما ستجنيه، وأنّ ما وُضع في الصناديق ليس إلا رصيدها الحقيقي لدى الناس، نتيجة الخذلان المتراكم والفجوة الكبيرة بينها وبين المجتمع.

 

المراجعة ليست مطلوبة من الأغلبية الصامتة فحسب، بل ومن القيادات والشخصيات نفسها، لتعيد حساب المعادلة، وتكتشف أين أخطأت ومتى أصابت، ولماذا فشل أداؤها وكل وعودها بالعسل، في إقناع الناخبين باختيارها!
أما الفاسدون، فما يزالون يحاولون حماية أنفسهم من الحساب. ونعلم أنهم دعموا مرشحين، هم اليوم نواب يجلسون تحت القبة ليشرّعوا باسم الشعب، وليراقبوا المال العام. فالمعركة ضد الفساد قائمة ولم تحسم بعد، والفاسدون يدركون ذلك أكثر من غيرهم.

 

أما الدرس الأخير، فيؤكد لنا أن إجراء انتخابات نزيهة، بعد سنوات من التزوير وسلب إرادة الناخبين، لم يكن بالأمر الهيّن تنظيميا وإجرائيا؛ فما حدث كان أكثر من انقلاب على نهج قائم تغلغل في عروق العملية الانتخابية، والتخلص منه بحاجة إلى البناء على ما تم هذه المرة.

 

إنّ تغيير الثقافة السائدة بحتمية التزوير، بحاجة إلى جهد كبير من مختلف المؤسسات، لإعادة بناء المركز القيمي والأخلاقي الذي ينظم الحياة العامة. وظاهرة المال السياسي التي أوصلت كثيرا من النواب إلى "العبدلي"، بقي أثرها كبيرا، وثمة نواب اليوم ما يزال القضاء ينظر في قضايا وتهم موجهة لهم تتعلق بشراء الأصوات. هذه دروس وعبر من تجربة الانتخابات وكواليسها، وكل ما تخبئه خلف المشهد، لعلّنا نتعظ!

 

بقلم جمانة غنيمات.


المراجع

jo24.net

التصانيف

جمانة غنيمات  صحافة   الآداب   العلوم الاجتماعية